نضر الله امرأ سمع مقالتي

الظلم ظلمات والشح مهلكة الأمم
21 أبريل, 2026
الظلم ظلمات والشح مهلكة الأمم
21 أبريل, 2026

نضر الله امرأ سمع مقالتي

عبد الرشيد الندوي
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ مقالتي فبلَّغَها فرُبَّ حاملِ فِقهٍ غيرُ فقيهٍ ورُبَّ حامِلِ فِقهٍ إلى مَن هوَ أفقَهُ منهُ. زادَ فيهِ عليُّ بنُ محمَّدٍ: ثلاثٌ لا يُغلُّ عليهِنَّ قَلبُ امرئٍ مُسلِمٍ: إخلاصُ العملِ للَّهِ والنُّصحُ لأئمَّةِ المُسلِمينَ ولزومُ جماعتِهِم.
تخريج الحديث: أخرجه أبو داود (3660)، والترمذي (2656)، وابن ماجه (230) وأحمد (21590). وهو حديث مشهور روي عن عدة من الصحابة.
شرح الحديث: إن هذا الحديثُ من الأحاديثِ الجامعةِ التي ترسمُ منهجَ حَمَلَةِ السُّنَّةِ، فقد افتتحه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالدعاءِ الكريمِ: «نضَّرَ اللهُ امرأً»، والنضارةُ هي البهاءُ والحسنُ والإشراقُ، وهو دعاءٌ عظيمٌ لمن سمعَ حديثَه صلى الله عليه وسلم، فوعاه، وحفظه، ثم بلَّغه كما سمعه. وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على شرفِ نقلِ السُّنَّةِ، وأنَّ خدمةَ الحديثِ الشريفِ من أجلِّ القربات، وأنَّ هذا الفضلَ لا ينالُه مَن سمعَ فحسب، بل من جمعَ بين السماعِ والوعيِ والحفظِ والأداءِ الأمين. ولهذا كان الحديثُ أصلًا في فضلِ أهلِ الحديثِ والروايةِ، وفي الحثِّ على ضبطِ النصوصِ وصيانتها من التحريفِ والتبديل.
ثم نبَّه صلى الله عليه وسلم إلى أنَّ الروايةَ ليست هي الفقهَ كلَّه، فقال: «فربَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه»؛ أي قد يحملُ الإنسانُ النصوصَ والأحاديثَ، ويجمعُ ألفاظَها، لكنه لا يحسنُ فقهَها، ولا يعرفُ وجوهَ الاستنباطِ منها، ولا يُدركُ مرادَ الشارعِ على وجهِه. ثم قال: «وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه»، فبيَّن أنَّ المبلِّغَ قد لا يكونُ هو الأرسخَ فهمًا، لكنه يكونُ سببًا في إيصالِ العلمِ إلى مَن يفتحُ اللهُ عليه في فهمِه واستنباطِه. وفي هذا تعليمٌ لطالبِ العلمِ أن يجمعَ بين الروايةِ والدراية، وأن يتواضعَ، فلا يغترَّ بمجردِ الحفظِ، كما لا يزهدَ في تبليغِ الصحيحِ إذا كان ضابطًا أمينًا.
ثم نبه صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة تطهير القلب وتزكية النفس وتصفية الباطن، فقال: «ثلاثٌ لا يُغلُّ عليهنَّ قلبُ امرئٍ مسلم»؛ أي لا يدخله غشٌّ ولا حقدٌ ولا فسادُ باطنٍ إذا حقَّق هذه الخصال. فأولُها: إخلاصُ العملِ لله، وهو أصلُ الدينِ كلِّه، وبه تصحُّ العبادةُ، ويزكو العلمُ، وتُقبلُ الدعوةُ، وتُحفَظُ بركةُ الروايةِ؛ إذ العلمُ بلا إخلاصٍ صورةٌ بلا روح. وثانيها: النصحُ لأئمةِ المسلمين، ويدخلُ فيه ولاةُ الأمورِ وأئمةُ الدينِ، وذلك بإرادةِ الخيرِ لهم، وإعانتِهم على الحقِّ، والدعاءِ لهم، وتركِ الغشِّ وإثارةِ الفتنِ. وثالثها: لزومُ جماعتهم، وهو أصلٌ في الاعتصامِ بالحقِّ، واجتنابِ الفرقةِ والشذوذِ، وحفظِ وحدةِ الأمةِ من التمزقِ والاختلافِ المذموم.