الحجُّ: تربيةٌ عمليةٌ على التوحيد
16 يونيو, 2026خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ
عبد الرشيد الندوي
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيَّانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَمُرْنِي بِأَمْرٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، فَقَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ».
تخريج الحديث: أخرجه أحمد في المسند (17698)، والترمذي في الجامع (2329، 3375)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (9/83).
شرح الحديث: هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، جمع فيه بين بيان حقيقة الخير في الحياة، وبيان الطريق الذي يعين العبد على الثبات على الطاعة وحسن الصلة بالله تعالى. فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس خير؟ فدلَّ على أن ميزان الخيرية ليس في كثرة المال ولا الجاه ولا طول البقاء في الدنيا مجردًا، وإنما الخيرية الحقيقية أن يمتد عمر العبد وهو يزداد قربًا من الله وطاعةً له، فقال: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ». وطول العمر للمؤمن نعمة عظيمة إذا عُمِر بالطاعة؛ لأن الأيام والسنين خزائن للأعمال، وكل يوم يمر بالمؤمن وهو في ذكرٍ أو صلاةٍ أو نفعٍ للخلق فهو زيادة في رصيده عند الله تعالى. ولهذا كان السلف يعدُّون بقاء المؤمن في الدنيا مع الاستقامة من أعظم العطايا. وقد أشار القرآن إلى قيمة الزمن وخطورة ضياعه، فقال الله تعالى: “وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ” [العصر: 1–3]. فدلَّت السورة على أن الأصل في عمر الإنسان أنه يذهب وينقص، وأن النجاة إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح. وقال تعالى: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” [الحجر: 99]، أي: دم على عبادة الله ما دامت الحياة باقية، فلا ينقطع المؤمن عن الطاعة حتى يلقى ربَّه.
ثم سأل الرجل الآخر عن عمل يلازمه ويتمسك به، لأن أبواب الخير كثيرة، والنفوس قد تعجز عن الإحاطة بجميع النوافل والأعمال، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصل عظيم يسير على اللسان عظيم في الميزان، فقال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ». وفي هذا إشارة إلى أن الذكر من أعظم ما يحيي القلوب ويثبت الإيمان ويعين على الطاعة؛ ولذلك أكثر القرآن من الأمر به والثناء على أهله، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا” [الأحزاب: 41–42]. وقال سبحانه: “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” [الرعد: 28]. فالذكر ليس مجرد ألفاظ يرددها اللسان بلا حضور، بل هو حياة للقلب، وصلة دائمة بالله تعالى، وإذا عمر القلب بذكر الله زالت عنه قسوة الغفلة، وخفَّت عليه الطاعات، واستحيا من المعاصي. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الأعمال الدائمة الملازمة، لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّت، والذكر من أيسر العبادات وأعظمها أثرًا، يلازم المسلم في سفره وحضره، وقيامه وقعوده، وغناه وفقره، وصحته ومرضه. فحقيقة العمر المبارك ليست في كثرة السنين، وإنما في امتلائها بطاعة الله وذكره، ومن رزقه الله لسانًا ذاكرًا وقلبًا حاضرًا فقد فُتح له باب عظيم من أبواب الخير والفلاح.

