الحجُّ: تربيةٌ عمليةٌ على التوحيد

نضر الله امرأ سمع مقالتي
25 مايو, 2026
نضر الله امرأ سمع مقالتي
25 مايو, 2026

الحجُّ: تربيةٌ عمليةٌ على التوحيد

عبد الرشيد الندوي

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ».
تخريج الحديث: رواه مسلم (1185).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
تخريجه: أخرجه البخاري (1549)، ومسلم (1184).و النسائي (2750) واللفظ له
شرح الحديث: لا جرم أن الحجّ في حقيقته بعثٌ لمعاني التوحيد في القلب، وتعظيم لشعائر الله، وتجديد للحنيفية السمحة النقية على صفائها الأول، وقد كشف حديث ابن عباس رضي الله عنهما كيف تسلّل الشرك إلى هذه الشعيرة العظيمة.
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأبطل هذه الزيادة الشركية، وأنكر عليهم بقوله: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ»، ثم علّم الأمة التلبية الخالصة التي رواها ابن عمر رضي الله عنهما، فجعلها إعلانًا جامعًا لتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته، حيث نُفي الشريك وأُثبت له سبحانه كمال الحمد والنعمة والملك، فصارت التلبية ميثاقًا يتجدّد به إخلاص العبد كلما ردّدها.
ثم سرى هذا المعنى معنى التوحيد والعبودية في سائر المناسك سريان الدم في العروق والشرايين، ففي صفة حجته صلى الله عليه وسلم – كما في حديث جابر رضي الله عنه في “صحيح مسلم” (1218) – أنه لما صعد الصفا استقبل القبلة فوحّد الله وكبّره وقال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ… وكذلك فعل على المروة »، فكان هذا الذكر تقريرًا لمعنى التوحيد في مقام السعي، وربطًا للقلب بربه في كل حركة وسكون.
وكذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا صلّى ركعتي الطواف قرأ فيهما بسورتي الكافرون والإخلاص، لما اشتملتا عليه من البراءة من الشرك وتحقيق التوحيد.
وفي يوم عرفة، الذي هو ذروة الحج، بيّن صلى الله عليه وسلم أن خير الدعاء فيه «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ…»، كما رواه الترمذي (3585) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: فجعل خلاصة الموقف ومقصده الأعظم كلمة التوحيد، ليبقى الحاج في أعظم مشاهد الحج متعلقًا بربه وحده، مفردًا له بالدعاء والثناء.
ثم يتجدد هذا المعنى في رمي الجمار، حيث ثبت في “صحيح البخاري” (1751) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبّر مع كل حصاة، في مشهدٍ تتكرر فيه عظمة الله على لسان الحاج، مقرونةً برفض الشيطان وآثاره.
وبهذا التناسق البديع بين الأقوال والأعمال، يتحول الحج إلى منهجٍ متكاملٍ يغرس التوحيد في أعماق النفس، حتى ينخلع القلب من كل تعلّقٍ بغير الله، ويستقيم على إخلاص العبودية له وحده، فتغدو حياة المسلم بعد حجه ترجمةً عمليةً دائمةً لهذه الكلمة الجامعة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.