مبادئ الثبات والنجاة: التقوى والطاعة والسنة
7 مارس, 2026الظلم ظلمات والشح مهلكة الأمم
عبد الرشيد الندوي
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم».
تخريج الحديث: أخرجه مسلم (2578)، والطبراني في الأوسط (8561)، والبيهقي في الشعب (11612)، وأبو عوانة في مستخرجه (11260).
وقد روي صدر الحديث أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عند البخاري (2447).
شرح الحديث: افتتح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بالأمر باجتناب الظلم، فقال: «اتقوا الظلم»، وفي هذا الافتتاح إشعار بعظم خطره، وأنه ليس ذنبا عارضا، بل آفة تفسد القلوب، وتكدر المعاملات، وتجر على صاحبها سوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ثم بين صلى الله عليه وسلم عاقبته بأوجز لفظ وأبلغه، فقال: «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، فجاءت الكلمة بصيغة الجمع؛ لتدل على تكاثر آثاره، وأن كل مظلمة يقترفها العبد إنما تورثه ظلمة يوم يلقى ربه، يوم يشتد افتقار العباد إلى نور الإيمان وصالح الأعمال. وقد جاء هذا المعنى مؤكدا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو تأكيد على أن المظالم لا تزول بالغفلة عنها، بل لا بد فيها من التوبة الصادقة، ورد الحقوق إلى أهلها، والتحلل منها قبل يوم الحساب.
ثم قرن صلى الله عليه وسلم بالتحذير من الظلم التحذير من الشح؛ لأن الشح من أعمق الجذور التي يتولد منها الظلم، وليس هو مجرد بخل بالمال، بل هو ضيق في النفس، وحرص مستول، وطمع لا يقف عند حد، يحمل صاحبه على الاستئثار، ويضعف فيه خلق الإنصاف، حتى يجره إلى أكل الحقوق والتعدي على الحرمات. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الشح أهلك من كان قبلكم»، ثم فسر هذا الهلاك بقوله: «حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم»، فدل على أن الجرائم العظام كثيرا ما يكون أصلها مرضا قلبيا خفيا، ثم لا يزال بصاحبه حتى يهون عليه العدوان، وتضعف في نفسه حرمة الحقوق. وفي الحديث تنبيه بليغ إلى أن صلاح الظاهر لا يتم إلا بصلاح الباطن، وأن من طهر قلبه من الشح، وحفظ جوارحه من الظلم، كان ذلك أرجى لسلامة دينه، وأقرب إلى النجاة يوم يلقى الله تعالى.
* * *

