الحجُّ: رحلةُ العبوديَّةِ وموسمُ الشوقِ إلى الله

الأستاذ أبو الزبرقان عبد الرحمن الكاشغري الندوي
17 يونيو, 2026
ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (6)
17 يونيو, 2026
الأستاذ أبو الزبرقان عبد الرحمن الكاشغري الندوي
17 يونيو, 2026
ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (6)
17 يونيو, 2026

الحجُّ: رحلةُ العبوديَّةِ وموسمُ الشوقِ إلى الله

السيد خليل أحمد الحسني الندوي

إن الله تبارك وتعالى خلق هذا الكون بحكمته البالغة، وأجرى فيه سننه المحكمة، وخلق الإنس والجن لعبادته وحده لا شريك له، فقال سبحانه: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”. ثم كرم الله الإنسان تكريما لم ينله كثير من المخلوقات، وفضله بالعقل والإدراك، فقال جل شأنه: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”.
وقد عرض الله تعالى الأمانةَ الكبرى على السماوات والأرضِ والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، لما علمن من ثقلها وعظم تبعاتها، وحملها الإنسان على ضعفه وعجزه، كما قال سبحانه: “إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. غير أن الله عزوجل لم يترك الإنسان تائها في ظلمات الهوى، بل زوده بنور العقل، ووهبه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسنِ والقبيح، حتى يكون جديرا بحمل هذه الأمانة العظيمة.
ولأجل هذه المنزلة الرفيعة كَلف الله الإنسان بالعبادات والطاعات، وجعلها سبيلا إلى تزكية النفس وتطهير القلب وتهذيب الروح، ومن أعظم تلك الفرائض وأجلها فريضة الحج، ذلك الركن العظيم الذي فرضه الله على من استطاع إليه سبيلا، ممن آتاه الله سعة في المال، وقوة في البدن، وأمنًا في الطريق.
وقد ودع المسلمون منذ أيام شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، وشهر الرحمة والغفران، ذلك الشهر الذي تتطهر فيه الأرواح، وتلين فيه القلوب، وتصفو فيه النفوس من كدر الدنيا وضجيجها. هو شهر المساواة والمواساة، يشعر فيه الغني بجوع الفقير، ويتذوق فيه الإنسان معنى الصبر ومجاهدة النفس، وتفتح فيه أبواب الرحمة، وتغلق أبواب النار، وتصفد مردة الشياطين.
وما إن تنقضي نفحات رمضان حتى تستقبل الأمة موسما آخر من مواسم الطاعة، موسما تتجلى فيه معاني العبودية الخالصة بأبهى صورها، ألا وهو موسم الحج، فالحج ليس رحلة عادية ينتقل فيها الإنسان من بلد إلى بلد، وإنما هو انتقال من عالم العادة إلى عالم العبادة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة القرب من الله تعالى.
إن الحج مظهر عظيم من مظاهر التذلل والانكسار بين يدي الله عزوجل، والله سبحانه يحب من عبده أن يراه خاضعا متواضعا، منكسر القلب، معترفا بفقره وعجزه بين يدي مولاه. ولذلك ترى الحاج يخلع ثياب الزينة والمفاخرة، ويلبس ثوبي الإحرام الأبيضين، وكأنما يتجرد من كل ما يربطه بالدنيا، فلا يبقى له إلا قلبه وروحه ولسانه الملهج بذكر الله.
وهذان الثوبان البسيطان يذكران الإنسان بحقيقة المصير؛ فكما يلبسهما الحاج اليوم، سيلف غدا في كفن أبيض حين يرحل عن هذه الدنيا. فيشعر عندها أن الحياة قصيرة، وأن الإنسان مهما علا شأنه أو كثرت أمواله فمصيره إلى التراب، وأنه لن يحمل معه إلى قبره إلا عمله الصالح.
ثم يصدح الحجيج بالتلبية الخالدة: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، فتتردد هذه الكلمات في الآفاق كأنها نشيد التوحيد الأعظم، وتعلن الأرواح بها خضوعها الكامل لله رب العالمين. وما أعظمها من كلمات! إنها ليست ألفاظا تقال باللسان فحسب، بل هي عهد متجدد بالعبودية، وإقرار بأن الملك كله لله، والحمد كله لله، والنعمة كلها من الله.
والحج كذلك رحلة حب وشوق إلى الله تعالى، فقد قال الشيخ أحمد بن إبراهيم الدهلوي رحمه الله: “ربما اشتاق الإنسان إلى ربه أشد الشوق، فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه، فلا يجده إلا في الحج”. فالحج سفر الأرواح قبل أن يكون سفر الأبدان، وموسم تتخفف فيه القلوب من أثقال الدنيا وهمومها، فتتجه إلى الله تعالى بكليتها، وكأن الحاج قد خرج من عالم الناس إلى عالم الصفاء والنور.
وفي الحج يتعلم المسلم معنى مجاهدة النفس وكبح الشهوات؛ إذ يترك أمورا كانت مباحةً له قبل الإحرام، فيمتنع عنها طاعة لله وامتثالا لأمره. فإذا كان العبد يترك المباحات في سبيل مرضاة الله، فكيف يليق به أن يقارف المحرمات أو يتبع هواه فيما يغضب الله تعالى؟
ومن أعظم الحكم التي تتجلى في الحج معنى المساواة الإنسانية الحقيقية؛ ففي المشاعر المقدسة تتلاشى الفوارق المصطنعة بين البشر، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود، بل يقف الجميع صفًا واحدًا في لباس واحد، يدعون ربا واحدا، ويرجون رحمةً واحدة. وهناك يدرك الإنسان أن الكرامة الحقيقية ليست بالأنساب ولا بالأموال ولا بالمظاهر، وإنما بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.
والحج مدرسةٌ إيمانية كبرى تربي المسلم على الصبر والانضباط، وعلى احتمال المشاق، وحسن الخلق، والتواضع، والإيثار، وكظم الغيظ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». فهو ميلاد جديد للروح، وصفحةٌ بيضاء يفتحها الإنسان بينه وبين ربه.
ثم إن الحج يذكر الإنسان بذلك اليوم العظيم الذي سيقف فيه الخلق جميعا بين يدي الله للحساب والجزاء. فاجتماع الناس في عرفات، ثم إفاضتهم إلى مزدلفة ومنى، صورة مصغرة لمشهد الحشر الأكبر، يوم يقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. فإذا رأى الحاج تلك الجموع المحتشدة على صعيد واحد، علم أن الدنيا إلى زوال، وأن العاقل من أعدَّ لذلك اليوم زادا من التقوى والعمل الصالح.
فيا من وفقه الله لزيارة بيته الحرام، اجعل حجك حجا يغير قلبك قبل أن يغير مكانك، وجدد عهدك مع الله، وأكثر من التوبة والاستغفار، واغتنم تلك المشاعر المقدسة في إصلاح نفسك، وتطهير قلبك، وتقوية صلتك بربك.
ويا من لم يكتب له الحج هذا العام، فلا تحرم نفسك من معانيه؛ عش بروحك مع الحجيج، وتخلق بأخلاق الحج من التواضع والصبر والطاعة، فإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأجساد، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال.
* * *