الحجُّ: رحلةُ العبوديَّةِ وموسمُ الشوقِ إلى الله
17 يونيو, 2026الحج إعلان للتوحيد الخالص ورمز للحب والفداء
17 يونيو, 2026ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (6)
فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي
ضرورةُ طمأنةِ أبناءِ الوطن وكسبِ قلوبِهم:
وأمّا الأمرُ الثاني الذي لا يقلُّ أهمية وخطورة، فهو أنَّ المسلمين إذا انكمشوا على أنفسهم، وانعزلوا عن أبناء وطنهم، فلن يستطيعوا البقاء ولا المحافظة على كيانهم ورسالتهم؛ لأنَّ العيشَ في الأوطان ذات الجنسيات المختلفة والثقافات المتعددة لا يقوم على الانغلاق، وإنما يقوم على التعارف، وبناء الثقة، وإزالة المخاوف، وإشاعة روح الإنسانية والتعاون، ومن هنا كانت الحاجةُ ماسَّة إلى طمأنة أبناء الوطن، وإشعارهم بأنَّ المسلمين عنصرُ خيرٍ ورحمة وإصلاح، لا عنصرُ اضطراب أو تهديد،ولهذا كان المنهج الذي اختارته حركةُ «رسالة الإنسانية» من أنفع المناهج وأحكمها؛ إذ جمع بين العمل الإنساني، والخطاب الفكري، والتواصل الودي، فكان منهجًا عمليًّا لإزالة الحواجز النفسية، وتبديد الشبهات، وتقريب القلوب.
وهذا العمل يحتاج إلى صبرٍ طويل، ونَفَسٍ طويل، ومواصلة لا تعرف يأسًا ومللاً، فقد يذهب الداعية إلى المستشفيات لخدمة المرضى، أو إلى السجون لمؤاساة المنكوبين، أو يشارك في الأعمال الإغاثية والخيرية، ثم يسمع كلمة قاسية أو يرى موقفًا جافيًا، فيصيبه الضيق، ويكاد يترك العمل كلَّه، غير أنَّ طريق الدعوة والإصلاح لم يكن يومًا طريقًا مفروشًا بالورود، وإنما هو طريقُ المثابرة واحتمال الأذى، وقد عبَّر أحد الشعراء باللغة الأردية عن هذه الحقيقة فقال ما معناه: “شيِّدْ من الخير بناء فوق بناء،حتى تَمَلَّ الصواعقُ من هدمه”.
فإنَّ الاستمرار في أعمال الخير، وخدمة الناس، والصبر على الأذى، كفيلٌ بأن يُبدِّل القلوب، ويُغيِّر النفوس، حتى يأتي يومٌ يُصغي الناس فيه إلى الكلمة التي كانوا يُعرضون عنها، ويُقبلون على صاحبها بعد نفورٍ وارتياب،غير أنَّ ذلك لا يتحقق بالعجلة والانفعال، وإنما هو عملٌ طويلُ النَّفَس، بعيدُ المدى، يحتاج إلى صبرٍ ومصابرة، وثبات ومواصلة.
توجيهاتٌ إلى الشباب:
وفي هذا العصر تشتدُّ الحاجةُ إلى أن يفقه الشبابُ هذه الحقائق، وأن يتجنبوا من الانخداع بالشعارات البرَّاقة، أو الاندفاع وراء الحركات المنحرفة والأفكار المضلِّلة، فقد ظهر في الناس من لا حظَّ له من رسوخ العلم، ولا معرفةَ له بروح الدين ومقاصده، غير أنَّه أوتي طلاقة لسان، أو براعة قلم، فأصبح يقول ما يشاء، ويؤثِّر في عقول الشباب وقلوبهم، فينخدع به من لم يُرزق بصيرة وتمييزًا،ومَثَلُ هؤلاء كمثلِ طريقٍ فسيحٍ ممهدٍ، أو شارعٍ سريعٍ يُعجب السائرَ بحُسنه واستقامته، غير أنَّه لا يُوصله إلى غايته، فالعاقلُ لا يسأل عن جمال الطريق فحسب، وإنما يسأل: إلى أين يُفضي هذا الطريق؟ فإن اندفع الإنسانُ وراء متعة السير، وانبهر بحسن الطريق، ربما قطع مئات الأميال، ثم انتهى به الأمر إلى غير مقصد، وقد أضاع جهدَه ووقتَه وقوَّته، ولم يبلغ غاية ولا حقَّق هدفًا.
أمَّا من جعل الغايةَ نصبَ عينيه، فإنَّه يسلك الطريقَ الموصل إليها وإن كان وعرًا، ويتحمَّل مشقَّته وإن كثرت عقباته؛ لأنَّ المقصودَ هو الوصولُ إلى الغاية، لا الاستمتاع بالطريق.
وهكذا ينبغي للشباب أن ينظروا في الأقوال والأفكار؛ لا إلى جمال الأسلوب وحده، ولا إلى قوة التأثير والإثارة، بل إلى مدى موافقتها للحقِّ والهدى، وانسجامها مع حقيقة الدين، ومع الفهم الصحيح للدين.
رسالةُ ندوة العلماء:
إنَّ رسالةَ ندوة العلماء إنما هي تربيةُ الشباب على الفقه الصحيح، والفهم المتوازن، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر حتى لا يقعوا في مسالك الغلوِّ والانحراف، أو ينساقوا وراء الدعوات التي تُفسد أكثر مما تُصلح.
فندوة العلماء تريد أن تُنشئ جيلاً يحمل العلمَ والبصيرة، ويجمع بين قوة الفكر، وصفاء العقيدة، وحسن البيان، وسلامة المنهج؛ جيلاً لا يكتفي بالسير في الطرق المعبَّدة التي صنعها غيرُه، بل يصنع الطريقَ بنفسه، ويفتح للناس سبيلَ الهداية، ويدلُّهم على طريق الجنة، وإن كان في بدايته شاقًّا أو غيرَ ممهَّد.
ومن هنا كان من أبرز سمات ندوة العلماء عنايتُها بتكوين الملكة البيانية، وتنمية القدرة على استعمال اللسان والقلم في خدمة الدين والدعوة والفكر الإسلامي؛ لأنَّ الكلمة الصادقة إذا خرجت من قلبٍ مؤمن، وعقلٍ بصير، وروحٍ مخلصة، كان لها من الأثر ما لا تصنعه القوَّةُ المادية ولا وسائلُ الإكراه.
فإذا ألقى الشبابُ أنفسَهم في ميدان هذه التربية، وأخلصوا لله في طلب العلم وخدمة الأمة، ظهرت ـ بإذن الله ـ ثمارٌ طيبة، ونتائجُ مباركة، تعود بالنفع على الأمة والإنسانية جميعًا.
وكانت لحركةِ ندوة العلماء سلاسلُ نافعةٌ باسم «جمعية مُعينِ النَّدوة»، تقوم بخدمة رسالة الندوة، ونشر فكرها، ومدِّ جسور التواصل بينها وبين أبناء الأمة، ثم تبدَّلت الأحوالُ في هذا العصر، فظهرت بدلاً منها دعواتٌ تقوم باسم «أبناء الندوة» وروابط خريجيها.
وأرى أنَّ الأجدرَ والأنسب أن تُبعث من جديد سلسلة «جمعية مُعينِ النَّدوة» في كلِّ مدينة وقرية؛ لأنَّ رسالةَ ندوة العلماء ليست رسالةَ جماعةٍ مدرسيةٍ أو عصبيةٍ حركية، ولا هي مشروعُ حزبٍ من الأحزاب، وإنما رسالتها الكبرى جمعُ الأمة، وربطُ القلوب، وتوحيدُ الصفوف، وخدمةُ الإسلام في سعته وشموله.
فندوة العلماء لم تُقَم لتجمع «الندويين» وحدهم، بل لتجمع الأمةَ على الفكر الإسلامي السليم، والمنهج الوسطي المعتدل، والفهم الواسع للدين، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات على الأصول، والانفتاح الحكيم على الواقع.
ومن هنا كانت «جمعيةُ مُعينِ النَّدوة» أوسعَ أفقًا، وأعظمَ أثرًا؛ لأنها تفتح الباب لكلِّ من يحمل همَّ الدين، ويؤمن برسالة الإصلاح، ويحرص على وحدة الأمة، مهما كان انتماؤه الفكري أو المذهبي، فإذا قامت هذه الجمعياتُ على هذا الأساس الشامل، اجتمع فيها ـ بإذن الله ـ أهلُ الخير جميعًا، وأصبحت منابرَ لنشر الفكر الإسلامي السليم، وخدمة الدعوة، وتوثيق الصلات بين طبقات الأمة وفئاتها المختلفة.
وحقيقةُ الأمر أنَّ الفكر الذي حملته ندوة العلماء ليس فكرًا خاصًّا بمؤسسةٍ أو فئة، وإنما هو ـ في جوهره ـ فكرُ الإسلام نفسه؛ فكرُ العلم والدعوة، وفكرُ الحكمة والرحمة، وفكرُ الوحدة والاعتدال، وإذا أخلصنا في خدمة هذا الدين، وسعينا إلى غرس معانيه في النفوس، فإنَّ الله سبحانه يبارك الجهود، ويُظهر آثارها الطيبة في الأمة والمجتمع.

