متى تفلح الوسائل ومتى تخسر؟

العام الهجري الجديد
27 يوليو, 2026
فإنك بأعيننا
27 يوليو, 2026
العام الهجري الجديد
27 يوليو, 2026
فإنك بأعيننا
27 يوليو, 2026

متى تفلح الوسائل ومتى تخسر؟

الشيخ عبد الله الحسني الندوي رحمه الله

الوسائل التي يتوصل بها الإنسان إلى منازل الرفعة ودرجات الرقي، لا تكون متحجرة غير مرنة، ولا تكون جامدة غير ملائمة للظروف، ولا تكون هامدة من غير نشاط، ولا تكون جالسة من غير حركة، بل فيها مرونة وحركة ونشاط وصلاحية للفهم والتمييز، وإنها تكون تابعة لتلك الأيدي المحركة التي تعمل وراءها ولتلك الأدمغة التي تسير الأيدي من ورائها، وهي لا نتخطى عن تلك الأطر التي حاكتها الأيدي الصانعة ونسجتها الأدمغة المفكرة، فلا تتجاوز ولا تتخطى عن الحدود والثغور التي عينتها هاتان القوتان: القوة الصانعة والقوة المفكرة.
فهاتان القوتان اللتان تسيران دفتى الوسائل، وتعينان لها الطريق، وتوصلان إلى المقاصد والأهداف، تحتاجان إلى حرية فكر، وحصافة رأى، ورزانة عقل، وإجهاد نفس، وإرهاف جسم، لأنهما لا تكونان صالحتين للإنسانية إلا بهذه الصفات المذكورة، إلا أن هذا الزمان زمان تكسُّب، ومصلحة مادية ويخضع لسياسة النفاق، والمداهنة والتملق، فيقوم أصحاب وسائل الإعلام بقلب المقاييس والموازين، وأصبح النفاق فنًّا ولباقة، وأصبحت المداهنة فطنة، وأصبح التقليد حرية، وأصبحت الدعاية علامة فتح وانتصار.
من أجل ذلك تعامل القوتان في نشر الفساد والفوضى وإيجاد القضايا المعقدة، والعصبيات العائقة في سبيل الإنسانية بتلك الوسائل التي تصلح لأن تكون وسيلة نافعة للإنسانية جمعاء، ومسيرة لتلك السفينة التي تركبها الإنسانية، فقد أصبحتا تابعتين لأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فتلتفتان إليهما لتلقي الخطوط التي تسيران عليها، ونظرًا إلى هذه الأسباب لابد لأصحاب العقول النيرة ولأرباب الفضل والكمال أن يتقدموا في هذا المجال ويتسلموا زمام تبنى القوتين اللتين بهما صلاح الإنسانية وفسادها،ويقوموا بأسلمة هاتين القوتين، وقد قام بهذا العمل سلفنا الصالح في أزمنة مختلفة وأدوار شتى، فغيروا مجرى التاريخ، وقلبوا تيار الحياة من شر إلى خير، من تقتيل وتشريد وإرهاب إلى بقاء وتجميع وطمأنينة، من يأس وقنوط إلى روح وريحان وجنة النعيم.
فإخواننا البرابر في المغرب وإخواننا التتار في المشرق خير مثال لهذا، فإنهم قاموا بهمجية وشراسة ضد الإسلام والمسلمين، وهزموهم شر هزيمة حتى كأن لم تقم لهم قائمة، وانقطعت بهم الأسباب وضاقت بهم الوسائل، إلا أن قوة الإسلام بقيت كما كانت في بعض الأصقاع في تلك الأيام كمصر والهند، ولكن السماء تشهد والأرض توقع عليه، أن الوسائل التي كان يستغلها هؤلاء الأعداء للإسلام انحرفت إلى نحور أعداء الإسلام أنفسهم، وبدأت تستعمل في صالح الإنسانية، ولم يزل هؤلاء الذين كانوا أشداء على المسلمين كإخوان أشقاء ومؤمنين متراصين متعاضدين لا يعرفهم أحد أنهم شنوا الغارة على المسلمين في الماضي.
فالحاجة ماسة إلى استراتيجية سابقة وخطة اختارها سلفنا للثورة والانقلاب لا كهذه الثورات والانقلابات التي حدثت في عالمنا اليوم التى لا تأتي بخير، بل هي وصمة عار في جبين الإسلام الأغر، فيا لها من هؤلاء الذين يخرجون هاتين القوتين من تمايلهما إلى ذات اليمين وذات الشمال، ويقومون بهدايتهما إلى ما فيه صالح الإنسانية، وخير البشرية جمعاء،والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل.
* * *