الوحدة الإسلامية هي الحل الوحيد للأزمات المعاصرة
25 مايو, 2026المسلمون في الهند: المشكلات والحلول
25 مايو, 2026ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (4)
فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي
الأساس الثاني لندوة العلماء: إنذار القوم
أما الأساس الثاني الذي تقوم عليه رسالة ندوة العلماء، فهو إنذار القوم، وهو مبدأ وثيق الصلة برسالة الإنسانية،فيجب علينا أن نفهم هذا الأصل فهمًا عميقًا، وأن نعرف طرقه وأساليبه في ضوء الكتاب والسنة،لقد أمر الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يقوم بواجب البلاغ والإنذار، وأن يبلّغ الناس ما أُوحي إليه، ويحذرهم من عواقب الغفلة والضلال، ولا شك في أن هذه المهمة هي جوهر رسالة الأنبياء عليهم السلام، إذ بُعثوا لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قام بواجب الدعوة والإنذار، لم يقتصر على مجرد التبليغ، بل راعى في ذلك حِكَمًا دقيقة، وأساليب بليغة، فجاءت دعوته نموذجًا فريدًا في الجمع بين الحق والرفق، والبيان والحكمة،وقد وجّه القرآن الكريم إلى هذا المنهج القويم بقوله تعالى: ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ “(النحل: 125) وقال تعالى: ” وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ “(فصلت: 33–35)
وهذا هو جوهر المنهج الإسلامي في الدعوة أن يُقابَل الأذى بالإحسان، والغلظة باللين، والجفاء بالوفاء،فإذا أساء إليك إنسان، فأحسن إليه؛ فإنك قد تراه اليوم خصمًا، ولكنه قد يصبح غدًا صديقًا حميمًا،وانظر إلى تاريخ مكة، وتأمل المرحلة الأولى بعد الهجرة إلى المدينة، ثم انظر إلى فترة صلح الحديبية، ترى كيف كان هذا المنهج مطبقًا في أسمى صوره وأروعها،لقد بلغ من سمو خلق النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه أنه كان يقابل الإساءة بالإحسان، حتى كأن لسان حاله يقول: “من شتمني أهديتُ إليه، ومن جرحني داويتُ جرحه،دعوتُ للجميع بالعافية،ومن جفاني قابلتُه بالوفاء”.
هذا الطريق الذي نسلكه في الدعوة إنما هو الطريق الذي دلَّنا عليه رسولنا العظيم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، غير أن ذلك لا يعني أن يذلَّ الداعية نفسه، أو يفرّط في كرامته، حتى يُستباح حقُّه، أو يُمكِّن غيره من الاعتداء عليه،فإن الإسلام لا يدعو إلى الضعف، ولا إلى الاستسلام، وإنما يدعو إلى اللين في موضعه، والحزم في موضعه،وقد كان الشيخ حسين أحمد المدني رحمه الله يقول:” عامِلوا الناس بالخلق الحسن، وتعاملوا معهم بروح الإنسانية، وأحسنوا إليهم، ولكن إذا تحوَّل الأمر إلى اعتداء ومواجهة، فلا تكونوا عاجزين، بل كونوا أشداء”.
ولكن الدرس العظيم الذي نتعلمه من السيرة النبوية لابد من فهمها فهمًا متكاملاً، دون تجزئة أو تحريف، ويشاع اليوم فهمٌ خاطئ، يزعم أن المرحلة المكية قد نُسخت بعد الصلح، وكأنها لم تعد صالحة للاقتداء،وهنا يبرز السؤال: من الذي نسخها؟ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم ينسخها، فمن ذا الذي يملك أن ينسخها بعده؟ إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلّها — في مكة والمدينة هي منهجٌ متكامل، لا يُلغى بعضه بعضًا، بل يُكمِّل بعضه بعضًا.
وعندما تمَّ فتح مكة كان النبي صلى الله عليه وسلم في موضع القوة، وكان أمامه أولئك الذين آذوه أشد الأذى، واضطهدوا أصحابه، وتآمروا عليه، وسعوا إلى قتله، وخاضوا ضده الحروب، وكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم — لو شاء — أن ينتقم، وأن يأمر بالقضاء عليهم جميعًا،ولكنه في موقفٍ من أعظم مواقف الرحمة في التاريخ، قال: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاء».
وفي غزوة حنين لما جيء بالأسرى من قبيلتي هوازن وثقيف، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن فيهم أقارب لمرضِعته السيدة حليمة السعدية، لم يستعجل القرار، بل راعى رأي أصحابه، واستشارهم في الأمر،فلما رأى موافقتهم، أطلق سراح الأسرى، فكان هذا الخلق النبوي العظيم هو السر في فتح القلوب، ودخول الناس في دين الله أفواجًا: ” إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ” (النصر: 1–3)
الطريق الأمثل للدعوة في الهند
إن من أخطائنا اليوم أننا لم نفهم الإسلام فهمًا صحيحًا، كما أننا نقع في التفريق بين مراحل السيرة النبوية، فنفصل بعضها عن بعض، وكأنها مراحل متناقضة لا يكمّل بعضها بعضًا،والحقيقة أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها — سواء كانت في مكة أو في المدينة تمثل لنا القدوة الكاملة والنموذج الشامل الذي ينبغي أن نهتدي به في كل عصر ومصر،غير أن الاقتداء الصحيح يقتضي منا أن ننظر في واقعنا الذي نعيش فيه، وأن نتأمل في الظروف التي تحيط بنا: أين نعيش؟، وفي أي بيئة نقيم؟، وما طبيعة الأحوال التي نمر بها؟، ومن هم الذين نتعامل معهم؟، وما عقائدهم وطبائعهم؟، وما حجمهم وتأثيرهم في المجتمع؟، إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي أساسٌ في فهم منهج الدعوة والواقع، فإذا استحضرنا هذه المعاني، وعشنا الحياة النبوية في ضوء واقعنا، فإنني أقول بصراحة: إن هذا هو أمثل طريق للدعوة إلى الإسلام، وأقربها إلى النجاح والتأثير،ولو أننا سلكنا هذا الطريق، واتخذنا من السيرة النبوية منهجًا حيًا يُطبَّق في واقعنا، لتبدلت أحوالنا تبدلاً كبيرًا، ولأصبح واقعنا غير ما هو عليه اليوم.
وأنا أضرب لذلك مثلاً بحدث عظيم من أحداث السيرة، وهو صلح الحديبية، حيث أُتيحت لمشركي مكة فرصةٌ طيبة للاحتكاك بالمسلمين بشكل مباشر مدة من الزمن،فقد قدموا إلى المدينة، وشاهدوا حياة أهلها عن كثب، كما ذهب المسلمون إلى مكة، وتعاملوا مع أهلها في شؤون الحياة، من بيعٍ وشراءٍ، ومعاملات وتجارات،وهنا تجلت حقيقة الإسلام في واقعٍ حيّ، فقد رأوا بأم أعينهم صدق المسلمين وأمانتهم، وسلوكهم، فكان لذلك أثرٌ بالغ في نفوسهم، حتى تبدلت قلوبهم، وتغيرت مواقفهم، ودخل في الإسلام في تلك الفترة عددٌ كبيرٌ من الناس، لم يدخل مثله في السنوات السابقة من تاريخ مكة والمدينة،فأيُّ دلالةٍ أبلغ من هذه الدلالة؟ وأيُّ طريقٍ أوضح من هذا الطريق؟ أليس في هذا الحدث العظيم دليلٌ على أن الدعوة بالأخلاق والمعاملة الحسنة هي أقوى وسائل التأثير والإقناع؟ أليس هذا منهجًا ينبغي أن نسلكه في واقعنا؟ إن الله تعالى قد هيأ لنا في هذا البلد فرصةً عظيمة، ولو أننا سلكنا طريق الصحابة رضي الله عنهم، واقتدينا بمنهجهم في الدعوة، لأصبح واقعنا اليوم مختلفًا اختلافًا كبيرًا.
الطريق الوحيد للدعوة في هذا الواقع
في الحقيقة أننا لا نملك في هذا البلد طريقًا أنجح للدعوة من هذا الطريق؛ طريق الأخلاق، والمحبة، والإنسانية، والتعامل القائم على الرحمة والإحسان،فلو أننا قدمنا للناس نموذجًا عمليًا للإسلام، وأظهرنا لهم معاني الرحمة والخدمة والصدق، لتغيرت قلوبهم، وزالت الشبهات التي امتلأت بها عقولهم،وهذا الكلام ليس مجرد نظرية، بل هو مؤسس على تجربة عملية واقعية، فإني أرى بنفسي أن الأماكن التي يُقام فيها بهذا العمل الدعوي تتغير فيها الأحوال، وتتبدل فيها الأفكار، وتلين فيها القلوب،واليوم — والحمد لله على ذلك — يجري هذا العمل في عشرات المناطق، وإن كان في بعض المدن لا يزال محدودًا، إلا أن المناطق التي يجري فيها العمل بحكمة وحسن تنظيم، يظهر فيها أثرٌ واضحٌ في تحوُّل عقول الناس ونظرتهم نحو الإسلام، وكثيرًا ما يأتي الناس، وهم في دهشةٍ وإعجاب، فيقولون: “ما كنا نظن أنكم تقومون بمثل هذه الأعمال الإنسانية والخدمات الاجتماعية!”.

