عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم
25 مايو, 2026ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (4)
25 مايو, 2026الوحدة الإسلامية هي الحل الوحيد للأزمات المعاصرة
محمد واضح رشيد الحسني الندوي
كان المسلمون في العالم كله أمة إسلامية واحدة بفضل الآية الكريمة “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” [الأنبياء:92]، وكانت الحدود والجغرافية للانتظام بموجب آية “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” [الحجرات:13].
وكان من تأثير هذه الوحدة أن حادثاً وقع في الهند كان له أثر في العاصمة الإسلامية في جزيرة العرب، وكان للجريمة التي وقعت في أوربا ضد المسلمين صدىً في عاصمة الدولة العباسية في بغداد، ويذكر التاريخ الإسلامي هذين الحادثين فكان فتح الهند للإسلام وفتح عمورية رمزاً لهذه الوحدة.
ومن أمثلة هذه الوحدة حركة الخلافة في الهند عندما تعرضت تركيا للمؤامرة الغربية، وصمد مصطفى كمال باشا في وجه الغزو اليوناني وأنقذ تركيا عسكرياً، وأكسبه عملُه هذا لقب ” الغازي” ولا يزال يعرف في الهند بهذا اللقب، رغم وقوعه في آخر المطاف في فتح الغرب الذي انتقم بالقضاء على الخلافة بإجبار مصطفى كمال على قبول شروطه للصلح.
كانت هذه الوحدة في الشعور، وفي الولاء، وفي الانتماء إلى الإسلام سمة للمسلمين في الماضي، بغض النظر عن الحدود الجغرافية، كان شعارهم “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ” [آل عمران:19]، “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي اْلآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ “[آل عمران:85]، ولكن الولاءات لعقائد وأفكار ونظريات مستوردة كسرت هذه العروة الوثقى التي كانت تربط العالم الإسلامي كله.
عندما كسرت هذه العروة الوثقى أو الحبل المتين الذي كان يوحّد العالم الإسلامي كله شعورياً وفكرياً وعقلياً وعملياً كان المسلمون قوة عالمية بفضلها، وتفرّقت كلمة المسلمين بغلبة النزعات الوطنية والإقليمية والفلسفات الفكرية بإعلان بعض القادة في العالم: مصر للمصريين، والشام للشاميين، ثم وزعت الفلسفات والانتماءات إلى أفكار متصارعة، البلد الواحد على بلدان مختلفة، فلم تبق مصر بلداً واحداً، ولا الشام بلداً واحداً، بل توزعت مصر إلى معسكرات وتكتلات، وكذلك الشام والعراق، وتوزّع كل بلد من هذه البلدان التي رفع قادتها شعار القومية، إلى قوميات ووحدات متفرقة، وكان هذا التفرّق سبب الشقاء والصراع الذي يجري اليوم في العالم الإسلامي، سواء كان ذلك في آسيا أو إفريقيا، ولا يصعب على من يستعرض الظروف في إفريقيا أن يشاهد آثار هذا التفرّق، ونتائج هذا التفرّق، وكانت النتيجة الرئيسية لهذا التفرّق غلبة الهوان، وذهاب هيبة المسلمين من النفوس. “وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” [الأنفال:46]، “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [آل عمران:103–105].
لقد خرجت هيبة المسلمين من القلوب في العالم كله، وتشجع غير المسلمين عليهم في كل مكان، ويتجرّأ واحد منهم فيحاول حرق القرآن، والإساءة إلى ذات الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد وصل الوضع إلى حد إهمال العالم كله معاناة المسلمين وشقاءهم، وعدم اهتمامه بمأساتهم، ولا تحرِّكه مواكب الشهداء وجثث القتلى وإن بلغت المئات والألوف، ولا تثار قضاياهم في محافل الحقوق الإنسانية وأجهزة الأمن العالمي.
إن هذا الوضع المأساوي الذي يعيشه المسلمون، نتيجة مباشرة لتفرُّق كلمتهم، وتوزُّعهم على معسكرات، وانتماءاتهم إلى أفكار ونظريات متصارعة، والبحث عن حلول القضايا في منابر من يتربّص بهم الدوائر، ويكيد لهم مكايد.
ولا عزة ولا قوة للمسلمين، سواء كانوا عرباً أو عجماً، إلا بالإسلام، وبالاعتصام بحبل الله المتين.

