ترامب والحرب الخاسرة…
17 يونيو, 2026مخاطر التربية الانفعالية
6 يوليو, 2026موقف الدعوة وموقف الدعاء
محمد واضح رشيد الحسني الندوي
شاع استعمال تعبير العمل الإسلامي في هذا العصر، انسياقًا إلى منهج الحركات السياسية التي يتوقف نجاحها وتأثيرها على الخطة المرسومة، ومدى تطبيقها والإمكانيات والوسائل التي تسخر في تحقيق أهدافها، وقد صرف هذا التعبير الدعاة والعاملين إلى جانب واحد من الدعوة، الجانب الذي يتبادر إليه الذهن باستعمال كلمة العمل، وهو الجهد عقليًا وماديًا، فإذا ذكر أحد العمل الإسلامي، انتقل الذهن إلى الفكر الإسلامي، والعمل لنشره، وفي هذه المرئية الضيقة يبدو العمل الإسلامي، قد خطا خطوات واسعة.
كان الفكر الإسلامي والدعوة إليه غريبًا قبل السبعينيات، فكان كل من يعرف عنه أن يفكر في العودة إلى الإسلام ويدعو إليه، ويعتبره نظامًا للحياة أو يحاول التطبيق بينه وبين النظم العصرية، يشار إليه بالبنان، كأنه غريب الزمان والمكان، وكان ينعت بنعوت مختلفة، إنه رجعي، إنه عميل للاستعمار، عدو للتقدم ومسايرة الزمن، وما إلى ذلك من نعوت، وقد حققت الحركات الإسلامية انتصارًا كبيرًا في قلب الأوضاع، وعلى الأقل في تغيير التفكير، أو بالتعبير الثوري، في إحداث ثورة فكرية بفضل التضحيات الجسيمة والجهود الجبارة التي قام بها الدعاة وصمودهم في وجه الطغاة.
لقد بذلت تضحيات في سبيل الاحتفاظ بالإسلام ورفع صوت الحق ما لا يوجد له نظير في التاريخ المعاصر، ولا تستطيع حركة من الحركات المعاصرة أن تقدم سجلاً حافلاً بالتضحيات يضاهي سجل العاملين في سبيل الإسلام.
لقد تغلب الفكر الإسلامي، وبفضل تغلبه ظهرت حركات إسلامية في كل بلد إسلامي، بأسماء مختلفة، ولكل حركة منهج خاص، وخطة عمل تطابق الظروف والأوضاع الخاصة بذلك البلد، وهي تجهد وتكافح وتسير إلى النصر بخطى حثيثة.
إن العاملين في سبيل الدعوة الإسلامية بفكرهم، والمجاهدين بقلمهم ولسانهم ومما يملكون من قوة، ومن عتاد، باختلاف مناهجهم وسبل دعوتهم يسعون إلى غاية واحدة، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يعود العالم إلى عدل الإسلام، وأن تزول الحواجز البشرية، والنفسية التي تفصل الإنسان عن الإنسان.
إنها دعوة لإصلاح الفرد والمجتمع، داخليًا وخارجيًا، دعوة إلى تغيير الحياة، ولكن الفكر الذي لا يتمثل في الحياة، ولا ينقل إلى العمل لا يستطيع أن يقاوم الأفكار المعادية، لأن تأثر العقل لا يدوم إلا إذا اقترن به تأثر القلب وتسرب الفكر إلى القلب واصطبغت الحياة بتلك الصبغة الخاصة.
ومثل تعبير العمل الإسلامي يستخدم الدعاة تعبيرات أخرى، وهي الفكر الإسلامي، والنظرية الإسلامية، والحركة الإسلامية، وبهذه التعبيرات كلها ينتقل الذهن إلى جانب الفكر وممارسة العقل، والجانب الفلسفي، والجانب التنظيمي للدعوة، ولو أن هذه التعبيرات، وسيلة للتفهيم والتقريب، لكنها من سوء الحظ، صرفت الذهن في نفس الوقت عن جانب مهم، وهو جانب تطبيق المفاهيم الإسلامية والمثل الإسلامية في حياة الداعي نفسه، وفي حياة مجموعة الدعاة، والحرص على أن يكون كل داع صورة تشخص المثل التي يدعو إليها.
لقد خطا العمل الإسلامي خطوات واسعة في تعميم الفكر الإسلامي، وفي نشر الدعوة الإسلامية، وهو مكسب كبير وعنصر هام، لكنه عنصر واحد من العناصر الثلاثة الرئيسية التي تتكون منها الدعوة.
إن المثل التي ندعو إليها مثل لا ينازع فيها اثنان، وهي مثل نبيلة حتى في عيون الأعداء، ولكن استهواء القلوب إليها ونقلها إلى الحياة والعمل يتركز على انفعال الداعي نفسه، وتهافته على تمثيلها في حياته، وأن يعتبر نفسه المخاطب الأول فلنبدأ مرحلة التطبيق في أنفسنا من الأمور التي يمكن تطبيقها انفراديًا، وبذلك نقترب من مرحلة التطبيق الاجتماعي، وبذلك نهيئ النفوس للانقلاب الإسلامي.
إن الحواجز التي تعترض في سبيل انتصار العمل الإسلامي انتصارًا نهائيًا في كثير من البلدان الإسلامية ترجع إلى سبب رئيسي وهو أن الدعوة الإسلامية صارت في كثير من البلدان عبارة عن مطالب بدون استعداد نفسي لتلبية مقتضياته في الدعاة أنفسهم، وبدون انقلاب عملي جوهري في حياتهم.
وثمة جانب آخر، وهو جانب مهم يغفله الدعاة بجراء قصر العمل الإسلامي على الفكر، والحركة، وهو جانب الرجوع إلى الله، وطلب العون منه، والتضرع إليه، فتصبح الدعوة مقترنة بالدعاء، وبالإنابة والرجوع إلى الله وابتغاء رضاه.
إن التاريخ يزخر بمواقف غريبة معجبة لامتزاج الدعوة والدعاء، في حياة الأنبياء والدعاة الذين اقتدوا بهم، لأن الدعاء مفتاح، يفتح القلوب، ويفتح المغلقات، ويذلل الصعاب.
لقد وقف سيدنا إبراهيم عليه السلام موقف الدعوة، وموقف الدعاء، وسجل القرآن الكريم هذا الموقف الجامع بقوله:
” رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”(إبراهيم:36).
وتجلى موقف الدعوة، وموقف الدعاء في الطائف عندما أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول خروجه في الدعوة يلتمس النصر من ثقيف والمنعة من قومه، وقبولهم لما جاء به من الله عز وجل، فلم يلق منهم إلا النكران، والأذى، والتأليب عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خير موقف يقفه الداعي بعد ما بذل جهده وفعل ما كان في وسعه.
“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
لقد رقت القلوب بهذا الموقف، وتغير الجو، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم فرصة للدعوة ولم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يرجع إلى مكة إلا وقد آمنت جماعة من الجن وانفتحت به آفاق الدعوة وإقبال الناس عليها.
لقد تجلى موقف الدعوة، والدعاء، واقترن الموقفان مرة أخرى في معركة بدر الحاسمة بعد أن عدل الصفوف، رجع إلى العريش فدخله ومعه فيه أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) ليس معه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعد من النصر ويقول فيما يقول: “اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد”.
وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: “أبشر أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبرئيل آخذًا بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع.
لقد اجتمعت مواقف الدعوة والدعاء، في حياة كثير من أبطال الإسلام وله نظائر في حياة المتأخرين من الدعاة والأبطال والمجاهدين، وفتح الدعاء كثيرًا من المغلقات، وهو سلاح المؤمن في المحنة، والشدة والبلاء، والدعوة لا تثمر إلا إذا اقترنت بموقف الدعاء “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعاني فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون”.
فلا يغفلن الدعاة هذا السلاح، ولا يفقدن هذا المفتاح.

