عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم

العمل بالحبّ والشغف
21 أبريل, 2026
الوحدة الإسلامية هي الحل الوحيد للأزمات المعاصرة
25 مايو, 2026
العمل بالحبّ والشغف
21 أبريل, 2026
الوحدة الإسلامية هي الحل الوحيد للأزمات المعاصرة
25 مايو, 2026

عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم

محمد خليل الحسني الندوي
قبل رمضان استقبلت مدرسة ضياء العلوم ضيوفًا كرامًا قادمين من سلطنة عُمان، وقد نُظِّمت لهم حفلة تكريمٍ تليق بمكانتهم. وكان من بينهم الأستاذ أظهر حسين، الذي ألقى خطابًا مؤثرًا قصَّ فيه قصةً بليغة تركت أثرًا عميقًا في النفوس.
ومما لا يخفى عليكم أن للقصص والحكايات أثرًا بالغًا في تهذيب النفوس وتوجيهها توجيهًا إيجابيًا؛ إذ فُطر الإنسان على التأثر بما يسمع ويرى، ولا سيما إذا قُدِّمت بأسلوبٍ قصصيٍّ مشوِّق. ولعل خير شاهدٍ على ذلك ما جاء في القرآن الكريم من قصص الأنبياء والمرسلين، وأخبار الأمم السابقة، لما تحمله من عِبَرٍ وعظات.
وأما القصة فهي قصة رجلٍ في سلطنة عُمان اتُّهم بجريمةٍ لم يرتكبها، ولم يُعرف عنه مثلها من قبل، ومع ذلك صدر بحقه حكمٌ من المحكمة العليا بالسجن لمدة أربع سنوات. فدخل السجن وهو بريءٌ لا ذنب له، فلم يشكُ حاله، ولم يستسلم للبكاء أو الجزع، بل اغتنم تلك المحنة وجعل منها منحة؛ فانصرف إلى حفظ القرآن الكريم، فأتمَّ حفظه خلال عامين.
وقد عاش في السجن حياةً ملؤها الذكر والعبادة، معتكفًا على نفسه، ناصحًا لغيره، حتى تأثر به السجناء، وعاهدوا أنفسهم على ترك المعاصي وعدم العودة إلى ما يخالف الدين والشرع. ولم يقف أثره عند هذا الحد، بل تأثر به حتى حارس السجن، فكان سببًا في تخفيف مدة عقوبته، حتى أُطلق سراحه بعد عامين.
وعند خروجه، أُقيم له حفل تكريم داخل السجن، ودُعي لإلقاء كلمة، فقال:
“إنكم تعلمون أني اتُّهمت بذنبٍ لم أقترفه، ودخلت السجن وأنا بريء، فلم أشكُ ولم أجزع، بل اغتنمت هذه الفرصة لحفظ كتاب الله، وهو أمرٌ لم أكن أستطيع تحقيقه خارج السجن بسبب مشاغل الحياة. وأذكّركم بقوله تعالى: “عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم”.
وانطلاقًا من هذه القصة، أوجّه نصيحةً إلى طلاب المدارس القادمين من مناطق شتى، وهم متفاوتون في خلفياتهم؛ فمنهم من ينتمي إلى أسرٍ ذات علمٍ وفضل، ومنهم من ينتمي إلى أصحاب ثروةٍ وجاه، ومنهم من لا يملك من ذلك شيئًا. ومما لا شك فيه أن جوَّ المدرسة يختلف عن جوِّ البيت؛ فطعامها ليس كطعام البيت، ونظامها قائمٌ على الانضباط والمراقبة، فلا يُسمح باستخدام الهاتف، ولا الخروج إلى السوق إلا بإذن.
فمن التزم بهذه القوانين، وصبر عليها، وأحسن استثمار هذه المرحلة، كان كالنجم المتلألئ في سماء العلم. أما من ضاق بها ذرعًا، وأخذ يشكو ويبكي، تارةً بسبب الطعام، وتارةً بسبب منع الهاتف، فإنه يضيّع على نفسه فرصةً ثمينة، وسيندم على ذلك في الأيام القادمة.