المسلمون في الهند: المشكلات والحلول
25 مايو, 2026الأستاذ أبو الزبرقان عبد الرحمن الكاشغري الندوي
17 يونيو, 2026ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (5)
فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي
رسالة الإنسانية ورسالتها العملية:
أقول دائمًا: إنَّ مسيرة «رسالة الإنسانية» إنما تسير على عجلتين اثنتين: إحداهما: عجلةُ الأعمال الخيرية والخدمات الإنسانية، والأخرى: عجلةُ العمل الفكري والنظري، فمن جهة علينا أن نسقي العطاش، ونطعم الجياع، ونزور المستشفيات والسجون، ونقيم المخيمات الطبية، ونقوم بسائر الخدمات الإنسانية والاجتماعية التي تخفف آلام الناس، وتقرّب القلوب، ومن جهةٍ أخرى لا بدَّ لنا من العمل الفكري والدعوي بتوزيع النشرات والكتيبات، وعقد اللقاءات، وإجراء الحوارات، والتواصل مع الناس، ومخاطبة عقولهم وقلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا عُرضت الفكرة أمام الناس عرضًا نظريًّا مؤيدًا بالحجج والبراهين –وكانت وراء ذلك جهودٌ إنسانيةٌ وخدماتٌ خيرية مخلصة– فمن الطبيعي أن تتغيَّر القلوب، وتتبدل الأفكار، وتزول كثيرٌ من الشبهات وسوء الفهم.
والواقع أن عمل «رسالة الإنسانية» إنما هو ثمرةٌ من ثمار حركة ندوة العلماء وفكرتها،وكان الإمام الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، روح هذه الحركة وقالبَها، ولسانَها المعبِّر عن أهدافها وآمالها ومنهجها،وقد هيَّأ الله تعالى بعده رجالاً حملوا لواء هذه الرسالة، ومضوا بها قدمًا، وأحسنوا القيام عليها، حتى استمر العمل وامتد أثره في مختلف الجهات، وأرى أن هذا الطريق – في الظروف التي يعيش فيها هذا البلد اليوم – هو أنجع الطرق وأحكمها، وأقول بصراحة: إن هذا العمل يُعدُّ الخطوة الأولى في طريق الدعوة إلى الإسلام، وإن لم يكن دعوة مباشرة، لأنه في ظاهره عملٌ إنسانيٌّ واجتماعيٌّ، ولكنه في حقيقته يمهِّد النفوس، ويهيئ القلوب، ويفتح الأذهان لقبول الحق، فإذا رأى الناس أخلاق المسلمين، ورأوا سلوكهم الحسن ومساعيهم لإسعاد البشرية، تبدلت نظرتهم، وزالت كثير من التصورات الخاطئة التي زُرعت في أذهانهم.
إشكالٌ حول الأعمال الخيرية والجواب عنه:
ويعترض بعض الناس فيقولون: إن هذه الأعمال الخيرية والإنسانية كلَّها أعمالٌ لا طائل تحتها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الأسواق، ويقول للناس: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، فما الحاجة إذًا إلى هذه الأعمال الاجتماعية والخدمات الإنسانية؟! ولِمَ لا نكتفي – نحن أيضًا– بالدعوة المباشرة إلى الإسلام؟ ولكن الأمر يحتاج إلى شيءٍ من الفهم والتأمل،فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعدَّه الله تعالى قبل البعثة إعدادًا طويلاً، وامتدت تلك المرحلة على أربعين سنة، قدَّم فيها للبشرية أروع نماذج إنسانية، وأثبت للناس صدقه وأمانته، حتى استقر في قلوبهم أنه أصدق الناس وأعظمهم أمانة،ولهذا كانوا يلقبونه بـ «الصادق الأمين» ويودعون عنده أموالهم وأماناتهم، وكانت هذه الصورة قد ترسخت في المجتمع المكي رسوخًا لا شك فيه، فإذا تأملنا في هذا الأمر أدركنا هل كان يمكن بعد هذه الثقة العميقة، وبعد تلك السيرة الطاهرة أن تُرَدَّ دعوته أو يُشكَّك في صدقه؟!
ثم لنتأمل –في المقابل– واقعنا نحن، والصورة التي يحملها المجتمع عنا في هذه البيئة التي نعيش فيها،إن من المؤسف أن كثيرًا من الناس يتصورون عن المسلمين أنهم قومٌ يعتدون على حقوق الآخرين، وأن الناس لا يأمنون من أذاهم، وأنهم أصحاب تفكير منحرف،وهذه الصورة– مع الأسف– ساهم الإعلام في تضخيمها ونشرها، وإن كان الإعلام لا يجد مادة لذلك إلا من خلال بعض الوقائع والأحداث التي تقع في مجتمعاتنا،فقد وقع– قريبًا– حادثٌ أليم، أقدم فيه رجلٌ مسلمٌ متدينٌ على قتل ثلاثة من أقاربه بإطلاق النار عليهم، ولم يكن الدافع إلى ذلك إلا قسمة الميراث والثروة،فهل بعد مثل هذه الحوادث يبقى للمسلمين رأس يرفعونه أمام الناس دون خجل؟! ومن الطبيعي أن يجد الإعلام في مثل هذه الوقائع فرصة للطعن والتشويه، فيسلط الضوء على مظهر الرجل الديني، ويجعل لحيته مادة للسخرية والاتهام، حتى كأنهم يقولون له باستهزاء: «يا هذا! كيف تجرأت على قتل ثلاثة أنفس؟! أما كان عندك ذرةٌ من حياء أو رحمة؟!»
الطُّرُقُ مُوصَدَةٌ إلا طريقَ الدعوة:
إن أحوالنا لن تتغيَّر ما لم نُغيِّر ما بأنفسنا: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد:11) “وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدنى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [السجدة: 21] وقد قال بعض الشعراء بالأردية ما معناه: «الطُّرُقُ مُوصَدَةٌ كُلُّهَا إلا طريقَ القاتل» وقد غير بعض أهل البصيرة هذا المعنى، فقال: «الطُّرُقُ مُوصَدَةٌ كُلُّهَا إلا طريقَ الدعوة».
وأنا أقول لكم بصراحة: إن هذا الطريق الدعوي في هذا البلد إنما يمرُّ اليوم عبر «رسالة الإنسانية» فإذا قمتم بهذا العمل، وسلكتم سبيل الخدمة الإنسانية، وبذل المعروف، والتعامل مع الناس بالخلق الحسن، فإن أبواب الدعوة ستنفتح أمامكم على مصراعيها، وستتهيأ القلوب لسماع الحق، وتزول كثير من الحواجز وسوء الظنون، أما إذا أُهمل هذا العمل، ولم يُؤخذ به بجدٍّ وإخلاص، فتذكروا أن هذا الطريق –وإن كان مفتوحًا اليوم –فإنه يضيق يومًا بعد يوم.
الدخول في السلم كافة:
وفي هذا السِّياق ينبغي أن تُستحضَر قضيتانِ أساسيتان؛ أولاهما: التمسك بالدِّينِ تمسُّكًا كاملاً، والحرصُ على تطبيقه في الحياة واقعًا وعملاً؛ حتّى يبقى الطريقُ الذي فتحه الله للإسلام في هذا البلد مفتوحًا غيرَ مُغلق، وإن تركتم السير فيه أُغلق عليكم شيئًا فشيئًا،ويضرب لذلك مثل بديع من حياة القرى والأرياف؛ فإنَّ الطريق إذا ظلَّ الناس يمرُّون فيه بقي واضحَ المعالم، ظاهرَ الأثر، فإذا تُرك عامًا كاملاً نبت فيه العشب، ثم تتحوَّل أرضُه بعد حين إلى مزرعة، ثم لا يلبث أن يُقام عليه بناء أو منزل، حتى يندرس الطريقُ كلُّه، وكأنَّه لم يكن موجودًا قطّ، وكذلك شأنُ الإسلام في المجتمعات؛ فإذا كفَّ المسلمون عن السَّير على طريقه، وعن العمل بشعائره، وعن تطبيق أحكامه في أنفسهم وبيوتهم ومجتمعاتهم، ضاق الطريقُ شيئًا فشيئًا، ثم يُوشك أن يُسدَّ بالكلية.
ومن هنا كانت إقامةُ الدِّين في الحياة، والاعتصامُ بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، والمحافظةُ على هوية الأجيال وإيمانها، من أعظم الواجبات وأكبر المسؤوليات، فعلينا أن نُعنى بتعليم أبنائنا وبناتنا التعليمَ الدينيَّ الصحيح، وأن نوفِّر لهم البيئة الصالحة، وأن نُنشئ مدارس إسلامية جامعة بين العلم والإيمان، كما ينبغي أن تُقام مراكزُ التوجيه والإرشاد للفتيات والشباب؛ ليُحصَّنوا من عوامل الذوبان والانحراف، وليُغرس في نفوسهم الاعتزازُ بالإسلام، والثقةُ بدينه، واليقينُ بصلاحيته لقيادة الحياة وإسعاد الإنسانية، فإنَّ الأمم لا تُحفظ بكثرة العدد، ولا بقوة المادة وحدها، وإنما تُحفظ بثبات العقيدة، وصيانة الهوية، والحفاظ على القيم، وربط الأجيال بربِّها ودينها وتاريخها ورسالتها.

