مَن لهؤلاء الشباب!؟
11 ديسمبر, 2025السبيل واحد والاختيار مختلف!
18 يناير, 2026الإسلام دين خالد وكامل
سعيد الأعظمي الندوي
إننا نؤمن كامل الإيمان بأن شريعة الإسلام ليست ذات واجهة واحدة من جسد ومادة وحياة دنيوية ونعيم ولذات فانية، ولكنها روح ومادة، قلب وعقل، علم وإيمان، وفقه وتدبير، وغاية ووسيلة، وأن عطاء الإسلام لا يتوقف على جانب واحد من هذين الجانبين، ولكنه يعم الحياة بأكملها، ويغطي المناحي كلها، فلا يضع حدًّا على نشاط علمي أو عقلي أو مادي ولا يخط خطًّا فاصلاً بين الروح والمادة، بل الحق أنه يجمع بينهما جمعًا دقيقًا متزنًاً ويجعل من كلتيهما مزيجًا غريبًا له تأثيره في الحياة فردية وجماعية، ودوره في إعطاء هذا العالم حقه من الهدوء والاستقرار، وكم كان الخطأ جسيمًا حينما زعم كثير من أفراد الطبقة المثقفة بل كثير من المسلمين أن الدين الإسلامي لا يساير الحياة ويتقاصر عنها في أغلب الأحوال والظروف التي تتجدد، والمشكلات التي تبرز على ساحة الوجود، ولقد كان هذا التفكير في شريعة الإسلام نابعًا من عقل ضعيف ومحدود، ومن هنالك تستطيع أن تطلع على ما يتحمس له تلك الفئة المتجددة ـ أعنى طبقة المتجددين من المسلمين ـ كم إدخال تحسينات في التشريع الإسلامي، وليتهم درسوا الإسلام بروحه الخالدة الباقية التي تفيض على الحياة خيرًا مستمرًا دون انقطاع، وبعطائه المتجدد المتوافر في المجالات كلها، ولم ينظروا إليه بالمنظار العلمي فحسب ولا بالعين المجردة عن العاطفة والروح، ولو أنهم فعلوا ذلك لوصلوا إلى الحقيقة التي لم يدركوها إلى الآن وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا.(النساء:66)
ويسعدني أن أنقل هنا قطعة من البحث القيم الذي وضعه سماحة أستاذنا الكبير العلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، حول”الاجتهاد ونشأة المذاهب الفقهية” يقول:
“إن الإسلام ـ بخلاف ما يعتقده كثير من المسلمين وبعكس ما يصوره أكثر المستشرقين والمؤرخين الغربيين ـ ليس حضارة عهد خاص، ولا فن فترة من فترات التاريخ تمثله آثار ذلك العهد ومبانيه، ويعيش في الأحجار والرسوم والصور، لا في واقع الحياة، وقد فقد صلاحيته للحياة وأدى رسالته، كالذي نتحدث عن الحضارة اليونانية والرومية، أو الفن التركي والمغولي، إنه دين حي ورسالة خالدة، إنه حي كالحياة نفسها، وخالد كخلود الحقائق الطبيعية ونواميس الحياة، إنه تقدير العزيز العليمصُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (النمل:88) وقد ظهر في شكله النهائي وطوره الكامل، وأعلن يوم عرفة:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإْسْلاَمَ دِينًا (المائدة:3) فهو يجمع بين الكمال الذي لا انتظار بعده لدين آخر، ولا حاجة معه إلى رسالة جديدة، وبين الحيوية التي لا نفاد لها والنشاط الذي لا آخر له، ولذلك استطاع أن يساير الحياة ويراقبها في وقت واحد، ويتابعها في صلاحها واستقامتها، وينكر عليها في انحرافها وزيغها، فلا هو مساير مائع ككثير من الأديان المحرفة، ولا هو مراقب جامد ككثير من الفلسفات النظرية، وذلك مثل الدين الكامل ومثل الدين الحي للإنسان الحي، الذي يشعر بشعوره أو يعترف بحاجاته، ويرشده في مشاكله ويعارضه في اتجاهاته الفاسدة”.
فليتفهم المتجددون في كل مكان أن المقاييس التي يطبقونها على الشريعة الإسلامية لا أصل لها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهم يضعون طاقاتهم فيما لا يعود عليهم بطائل، بل الواقع أنهم بذلك يجاهدون في غير عدو، وأن شريعة الله لغنية عن أفكارهم وآرائهم، وبريئة عن خدماتهم وجهودهم، فليبحثوا لهم عن مجال آخر يصلح لمستواهم العلمي والفكري، ويتركوا عمل التشريع والاجتهاد الإسلامي لعلماء هذه الأمة ومفكريها المخلصين. وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين”.

