الأسوة الحسنة على صاحبها ألف ألف تحية وسلام

قيمة الهجرة
7 سبتمبر, 2026
قيمة الهجرة
7 سبتمبر, 2026

الأسوة الحسنة على صاحبها ألف ألف تحية وسلام

(سعيد الأعظمي الندوي)
كانت الفترة طويلة بين عيسى عليه السلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم استغرقت 570 خمس مائة وسبعين عامًا، شهد خلال ذلك العالم البشري شرقًا وغربًا تقلبات واسعة من الحريات والانطلاقات، تخللتها دعوات باطلة، ونظرات زائفة من اليهودية والنصرانية، وأباطرة الرومان،أما الجزيرة العربية، فقد تسربت إليها أدواء خلقية ونفسية،وأمراض عقلية واجتماعية، تشتت بها شمل الحياة الاجتماعية، والحرمات الإنسانية،وانتشرت الفوضى والانقسامات القبلية في كل مكان، والعقائد المنحرفة، ذاك أن أهلها كانوا يعيشون بين وثنيات متسعة الآفاق، ويعبدون الأصنام ويعتبرونها ذريعة للتوصل إلى الله خالق الأكوان، وبذلك كانت حياتهم منصبغة بصبغة الشرك الذي كان الداء الدوي الذي حال دون الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين ودعاهم إليه، فرفضوه وحاربوه، وقالوا “إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ” [الزخرف:23].
وأرد الله سبحانه أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات السماوية، وتلك هي الميزة الخاصة التي تميز بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء، وهي تتلخص في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي دينه الذي أكمله الله تعالى، وختم به الأديان كلها، فلا يأتي بعده نبي ولا رسول، ولا رسالة ولا دين، وذلك هو الذي أشاد به الله سبحانه وبشر به أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا” [المائدة:3].
كان الرسول صلى الله عليه وسلم مجمع الفضائل والأخلاق والمكارم والمحامد كلها، كان فيه أسوة حسنة للعالم البشري كله، فكانت سيرته من أكمل السير، وحياته من أروع ما شهده البشر، على طول مداه، كان داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وقد شهد الله سبحانه بأنه نور، فقال “قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [المائدة:15–16].
لاريب فيما إذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مكتبة علمية وخلقية ودينية وأدبية زاخرة بالنماذج العملية والأسوة الحسنة للجميع، فإن الدارس لهذه الحياة الجامعة للفضائل ولجميع الكمالات الإنسانية والأوصاف النادرة، ينادي من أعماق قلبه: إنها سيرة لم تسبق في العالم البشري، وأنها أسوة حسنة لم تخطر على بال ذي روح، بل الواقع أن الجماد وما ليس فيه روح ولا قلب شهيد بعظمته وسموّ مكانته، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة سجلتها مكتبات السير والتراجم في العالم.
وبمجرد الاطلاع على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة أخلاقه السامية وحياته الزكية وسيرته الشاملة الجليلة يضطر المرء إلى أن يخضع أمامها ويفتح صدره لكي يستقر فيه حبه باتباع الدين الذي أكمله الله تعالى على يده، وتطبيق شريعته التي جاء بها من عند ربه، على الواقع المعاش العام ماضياً أو حالاً أو مستقبلاً، وذلك هو الطريق الوحيد، الطريق الممهد نحو حب الله تعالى والخضوع أمام كبريائه، وأداء ضريبة هذا الحب بالعبادة التي كانت الغرض الأصيل لخلق الجن والإنس “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ” [الذاريات:56–58].
فما أحوجنا إلى تحقيق هذا الغرض الأصيل، وأداء واجب الحب والودّ الذي تشرفت به أمة الإسلام والذي يتمثل في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”.