المسلمون أمة وليسوا كتلة

إنني من المسلمين
17 يونيو, 2026
إنني من المسلمين
17 يونيو, 2026

المسلمون أمة وليسوا كتلة

(سعيد الأعظمي الندوي)
إذا كانت الديانات الإنسانية السابقة والفلسفات الاجتماعية توزع البشر بين طوائف وكتل وفئات، وكانت تقر لهم بالتفاوت الطبقي والعنصري، وتقسمهم بين خلايا كثيرة من الجنس والوطن،واللغة، فإن دين الإسلام قد جمع البشر كلهم على منصة واحدة لأول مرة، واعتبر الجميع أبناء أب واحد وأم واحدة، وجاء رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم فأعلن عن ذلك مدويًا مجلجلاً، وقال: “لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولأسود على أبيض إلا بالتقوى، كلكم من آدم وآدم خلق من تراب”.
لما فتح المسلمون المدائن، ووطئوا أرض الفرس بحوافر خيول المسلمين وأقدام المجاهدين الأبطال، ظن حكامها أنهم لم يفعلوا ذلك إلا لحاجة اقتصادية، وبحثًا عن الرزق والمال، بعد ما عاشوا في الفقر والضيق والخشونة مدة طويلة، ولم يفكروا فيهم أكثر من ذلك ـ فقد كان هو مبلغ تفكيرهم ـ وأراد رستم قائد قواد الفرس تصديق هذا الظن، فبعث إلى ربعي بن عامر لكي يستنطقه عن هذا الواقع ويستوثق ما كان يظن في المسلمين المتواضعين العائشين بالكفاف، فجاء إليه ربعي، ولما سأله رستم بلهجته القوية وقال له: “ما جاء بكم؟” وكان يتوقع أن يكون رده من منطلق السياحة في الأمن بحثًا عن الرفاهية، ولكن خاب ظنه حينما سمع رده الإيماني النابع من قلب المؤمن المخلص، لما سمع أنه يقول بغاية من الثقة والطمأنينة، والشجاعة والقوة:”الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد، إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها”.
اندهش وكاد يخر مغيشًا عليه، فقد كان لهذا الكلام وقع شديد في نفسه، وأيقن أنه لا قوة تستطيع أن تمنع المسلمين عن الغلبة، ولابد من أن تنتشر كلمتهم في الأرض، وينتقل زمام الحكم إلى هؤلاء الذين لا يهمهم إلا لأن تسود عبادة الله في الأرض، دون أن يعنيهم شأنهم أو تهمهم احتياجاتهم.
ذلك لأن الحضارة الفارسية لم تكن قائمة على المصلحة الجماعية، ولا كانت تنادي بعبادة الله التي هي فوق كل غرض، وأساس كل غاية، لم يكن فيها إلا أن يتنعم أصحاب الطبقة العليا على حساب الطبقة الدنيا، لم يكن هناك أي تصور للاجتماعية والمساواة على أساس الخضوع أمام الله تعالى، لم يكن في هذه الحضارة أي مراعاة لحقوق الخلق ولا لحقوق الخالق، وإنما كان القوي يحظى بكل نعمة ومتعة ولذة، والضعيف يشقى بكل معنى من معاني الشقاء والذلة.
وإنما هو الإسلام وحده الذي عاد بالإنسان إلى طبيعته وعين مقياسًا واحدًا للعز والذل، وللسعادة والشقاء، والشرف والضعة، وهو مقياس التقوى، والذي يميز ممن لا يتقي ممن يتقى، ويرفع مكانته ويربطه بالملكوت الدائم، ومن ثم تتحقق له السعادة بمعناها الكامل ويعيش في الدنيا وهو ينظر إلى الآخرة، ويقوي رابطته مع ربه تبارك وتعالى ويعرف واجبه نحوه إخوانه، ويعتبر نفسه عضوًا كريمًا من أسرة الأمة التي اختارها الله سبحانه للقيام بمهمة الدعوة إلى عبادة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك يؤدي المسلمون دور الأمة الإسلامية، ويتحاشون من كل ما يعكر عليهم صفو هذا المفهوم أو يبعدهم عن جادة التعاون والتضامن.
يقول الله سبحانه وتعالى:وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإْثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة:2)