وظيفة الحياة في هذا الكون؟
27 يوليو, 2026قيمة الهجرة
(سعيد الأعظمي الندوي)
الهجرة نقطة تحول كبيرة فى تاريخ الإسلام، تحمل في طيها معانى كثيرة من الثبات على المبدأ، والوفاء للرسالة التي تبناها المرء، والإخلاص للحق، والولاء للإيمان، والتضحية بكل غال ورخيص في سبيل تثبيت دعائم الحب والحنان والخشية والورع، وكل هذه الخصال ليس مما يمارسه الإنسان من غير إيمان راسخ، وعزيمة صادقة ويقين كامل، ولكنها من أصعب ما يفكر فيه المرء ويصدقه باللسان فضلاً عن تنفيذها، والتغرير بالنفس والمال في إنجازها وإبرازها كحقيقة واقعة في الحياة.
لذلك تعتبر الهجرة النقطة الأخيرة للنجاح والانطلاق إلى الغاية المنشودة، وتعتبر مصدرًا للسعادة والانتصار على المخاطر والمتاعب وعلى العوائق والعراقيل التي تقف في طريق المؤمن، وتسد عليه دروب النجاح، وتذوب وتتلاشى بصدق العزيمة وبدافع التفانى والاستماتة، وبالإخلاص الذي يتمتع به المرء، وكل داعية مؤمن يتميز بهذه المعاني الكريمة، ومن أجلها فقط يكتب له الانتصار والنجاح في مهمته التي يتولاها.
لقد قام دعاة الإسلام فى فترات التاريخ المختلقة وانطلقوا على نفس الخط الذي صنعته الهجرة، فانحاز إليهم العالم كله والتفت حولهم شعوب العالم كلها، وأصبحت للإسلام كلمة نافذة، وللأخلاق الفاضلة والمكارم الإنسانية غلبة وازدهار في جميع المجتمعات والبيئات البشرية، وتنفس الناس في ظلال الحب والأمن والسعادة وعاشوا في جوّ من الصفاء والمودة والثقة والتناصح والتعاون، وانتهى كل شر وشقاء وكل جور وظلم وفساد وطغيان فى الحياة، وكأن الإنسان لا يعرف معنى للجرائم الخلقية والانحرافات الطبيعية، وكان ذلك كله من ثمار الهجرة نبعت من خلال تلك المعانى الكريمة والخصال العظيمة التي حملها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنصاره الكرام رضى الله عنهم.
وقد دلت الهجرة على أن العمل بما يقوله الإنسان وتنفيذ الدعوة في حياته قبل أن يحرص على تنفيذها في حياة غيره لمن أهم المهمات التى تضمن النجاح وتؤكد السعادة، وتحتم الخلود والازدهار، فكانت الهجرة فى الواقع أسوة للعلماء والدعاة والمعنيين بالعمل الإسلامى فى كل زمان ومكان، وفيها نموذج واقعى للمسلم في كل عصر وجيل، وقد فتحت لنا الهجرة منطلقًا واسعًا نحو العمل في الأوساط والأجيال والأمم والشعوب، وطريقًا دائمًا إلى العز والخلود، ومنحت لنا نموذجًا كاملاً للحياة السعيدة التي تشمل الدنيا كلها بخيرها ورفدها، “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا”.
إن لنا فى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة كاملة للعمل والدعوة، والإيمان والإخلاص، إنها تفتح لنا الباب على مصراعيه نحو العمل والجهاد، وإلى الكفاح في سبيل الحق والثبات فى سبيل المبدأ، والصمود في وجه العوائق والعراقيل، والوقوف دون الفشل والاستسلام والانهزام، إنها خط واضح لمن أراد أن يسلك فيه، وواضح لمن أراد أن يتابع فيه رحلته فيفوز بالسعادة، لا لنفسه فقط بل للناس جميعًا، والإنسانية جمعاء.
وما أحوج دعاتنا وعلماءنا إلى التأمل في معانى الهجرة بقلب مؤمن خاشع، وإلى السير على درب الهجرة الذي يضمن النجاح والخلود، فلنستوح من الهجرة هذه المعاني الجليلة، ونطبقها على حياتنا، وتلك هى قيمة الهجرة الحقيقية اليوم.

