الديمقراطية تتراجع
6 يوليو, 2026متى تفلح الوسائل ومتى تخسر؟
27 يوليو, 2026العام الهجري الجديد
الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله
إن تحول عام سابق إلى عام جديد ليس حادثاً غريباً، بل وقد يكون أهون من تحول يوم سابق إلى يوم جديد، ولكن مع ذلك يمكننا أن نستفيد منه استفادة كبيرة ونستغله استغلالاً لمصالحنا الاجتماعية، وهذه الاستفادة هي أن نراجع حساب حياتنا وأعمالنا عند تحول عام إلى عام جديد، ونتزود بما يحصل من هذا الحساب لعامنا الجديد، وذلك بمثلما يحاسب التاجر في المساء ما ربحه وما خسره طيلة يومه، أو يحاسب في نهاية عامه الاقتصادي موارده ومصاريفه ليبني على هذا الحساب منهجه للعام الجديد، وهو الذي نسميه بالتخطيط أو ما يشبه ذلك.
فالأهمية التي ينالها الحساب المالي لدى تاجر أو في نظام اقتصادي يجب أن ينالها حساب الأعمال لدى رجال نظام اجتماعي وقادة شعب من الشعوب وأفراده، فكما أن ضرورات المطعم والملبس والمأوى تقتضي منا تخطيطاً مالياً لها، وتقتضي تنفيذ هذا التخطيط، ثم محاسبته في نهاية العام، فكذلك مطالب الكرامة والعزة في هذه الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة تحتاج منا تخطيطاً وتنفيذاً ومحاسبة.
فتحول عام سابق إلى جديد يتطلب منا أن نفكر ونبحث فيما كسبناه وفيما أضعناه على صعيد كرامتنا وشرفنا وقيمنا وأهميتنا في هذا العالم حتى يمكن لنا أن نحمل منه زاداً لعامنا الجديد.
لقد كانت الهجرة من مكة إلى يثرب المدينة المنورة حدثاً عظيماً في التاريخ الإسلامي، بل وفي التاريخ البشرى كله، فقد كانت عنواناً لإنقاذ البشرية من تلك الضلالات والتفاهات التي كانت تتسكع فيها، والتي كانت فيها بمثابة البهائم السائمة في الأرض بحيث لا رادع لها ولا ضابط إلا الأهواء والأغراض، ولذلك عد عمل الهجرة في الإسلام أجل عمل، ولما فتحت مكة وانتهى عمل الهجرة منها أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أن “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”(رواه الإمام البخاري، باب فضل الجهاد والسير، رقم: 2783.)، فالجهاد والنية الصالحة أصبحا ينوبان عن عمل الهجرة، فلقد انقطع عمل الهجرة الأولى شكلياً ولكن بقي معنوياً، ولقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم معاني تحمل روح الهجرة، فقد قال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”(رواه الإمام البخاري، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده رقم: 10)، فمن الهجرة منع النفس من رغباتها الحقيرة وأهواء النفس الضارة.
فنحن إذا فاتنا عمل الهجرة الشكلي فلا يفوتنا عمل الهجرة المعنوي من سلوكنا السيئ إلى السلوك الحسن المستقيم، وذاك بأن لا نؤذي عباد الله بسلوكنا المنحرف، وأن نترك ما ينهى الله ورسوله عنه، وأن نقوم بالجهاد، والجهاد قد يكون بالقتال ولكنه قد يكون بالتضحية بالراحة ورغبات النفس في سبيل الله، وبأن نجعل نيتنا نية صالحة صادقة.
هذا هو المنهج الذي يسعنا اتباعه للوصول إلى السعادة الشبيهة بالسعادة التي كانت تحصل بعمل الهجرة الأولى، على كل فإن بدأ السنة الهجرية يذكرنا بل ويطلب منا أن نحاسب نفوسنا، هل تتفق أخلاقنا مع مدلول الهجرة، وهل تتصف حياتنا بصفات الهجرة، هل نحن مسالمون مع إخواننا المسلمين، أم بأسنا شديد بيننا وقلوبنا شتى.
إن أخلاقنا أصبحت كأخلاق اليهود، نجري وراء الأغراض المادية متخاصمين فيما بيننا، وإذا لم نستطع تسليط بأسنا على أخينا بالسلاح فنسلطه عليه باللسان والقلم، فهل هذه أخلاق من سلم المسلمون من لسانه ويده.
أما هجرنا لما نهى الله ورسوله عنه، فحدث عن البحر ولا حرج، فما من سوء سلوك منهي من الله ورسوله إلا والمسلمون يرتعون فيه ويمرحون.
على كل فكلما ينتهي عام هجري ويبتدئ عام جديد يلفت نظرنا إلى عمل الهجرة الذي قام به المسلمون الأولون محافظين على قيمها وروحها وأخلاقها، ويلفت نظرنا إلى ضرورة أن نحاسب أنفسنا فيما قدمناه وأخرناه،وماذا أحرزناه، وماذا فقدناه في هذا المضمار، كل عام وأنتم بخير.
* * *

