فإن آمَنُوا بمثل ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا

فإنك بأعيننا
27 يوليو, 2026
المروءة جوهرة الأخلاق
7 سبتمبر, 2026
فإنك بأعيننا
27 يوليو, 2026
المروءة جوهرة الأخلاق
7 سبتمبر, 2026

فإن آمَنُوا بمثل ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا

فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي

إن الصحابة الكرام البربرة –رضى الله عنهم– هم الجماعة المختارة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ورافقوه مؤمنين به، وماتوا عليه، فهم الرعيل الأول، وطليعة الأجيال التي حملت لواء الإسلام في أرجاء المعمورة، فإنهم تربوا على يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذوا من مشكاة النبوة جميع ما يحتاجون إليه في حياتهم، واقتبسوا من نوره العلوم والمعارف، وأضاؤوا بها ظلمات البر والبحر، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم بكلمات المدح والثناء، كما ورد ذكرهم في التوراة والإنجيل، فما رأت الدنيا بعد الأنبياء والمرسلين أحسن ولا أجمل منهم سيرة وخلقًا، ولن ترى إلى يوم القيامة، يقول الإمام الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي:
“كانت هذه الجماعة ـ جماعة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ نواةً للأمة الإسلامية الكبيرة التي أخرجت للناس، ومادة للإسلام، فكان ظهور هذه الجماعة وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده، وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها، لذلك قال الله تعالى لما حضّ على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار: “إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” (الأنفال:73).
… وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا مما قضى، ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر ونهى، حدثوا الرسول عما اختانوا أنفسهم، وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد، إذا فرطت منهم زلة استوجبت عليها الحد، نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة، فكسرت دنان الخمر وسألت في سكك المدينة. وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة وفي اليوم رجال الغد، لا تجزعهم مصيبة، ولا تبطرهم نعمة، ولا يشغلهم فقر ولا يطغيهم غنى، ولا تلهيهم تجارة ولا تستخفهم قوة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسهم، أو الوالدين والأقربين، فأصبحوا عصمة للبشرية ووقاية للعالم، وداعية إلى دين الله، واستخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله، ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته”.(ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص: 123–125).
وإن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كلهم عدول، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم”(جمع الفوائد: 2/201) وقال صلى الله عليه وسلم “الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله، فيوشك أن يأخذه”.(أخرجه الترمذي في المناقب، باب فيمن سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أيضا أحمد في المسند 4/87)
وكتب التاريخ حافلة بقصص ما قام به أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من تضحيات لا مثيل لها في تاريخ الأديان، وما تحملوه في سبيل الدعوة إلى الإسلام، من مصائب وشدائد، وقد اعترف بذلك غير المسلمين حتى الأعداء.
وإنَّ العناية بسير الصحابة الكرام ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي الاستقاء من معين لا ينضب، والعيش في جو إيماني تتجدد فيه الحياة في القلوب وكيف لا؟، وقد كان أولئك القوم خريجي المدرسة النبوية، فتجسدت معاني القرآن الكريم والحديث في أخلاقهم، وتمثلت في سلوكهم وتعاملهم، فإن النظر في سيرهم وأخبارهم نظرٌ في الدين نفسه، والاقتداء بهم يهدي إلى الصراط المستقيم، إذ جعلهم القرآن الكريم معيارًا للإيمان وميزانًا للهداية، فقال تعالى: “فإن آمَنُوا بمثل ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا” (البقرة: 137).