الحج إعلان للتوحيد الخالص ورمز للحب والفداء

ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (6)
17 يونيو, 2026
سيدنا إبراهيم عليه السلام رمز التضحية والاستسلام الكامل
17 يونيو, 2026
ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (6)
17 يونيو, 2026
سيدنا إبراهيم عليه السلام رمز التضحية والاستسلام الكامل
17 يونيو, 2026

الحج إعلان للتوحيد الخالص ورمز للحب والفداء

عبد الله محمد الحسني الندوي

بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله،وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج.
الكيان الديني الأصيل، الكيان الإسلامي السليم أقيم على هذه الدعائم الخمس.
الدعامة الأولى وهي الأس، هي الأم، وهي اللبنة الأولى، وهي حقيقة تتعلق بالجنان وسويداء النفس، أولا يحفر حفرًا، حتى يشاهد، لأن الأساس لا يكون أساسًا إلا بعد الحفر، هكذا الشهادة، وبالشهادة تصل كلمة التوحيد والرسالة إلى داخل القلوب وتستقر فيها، وحسب عمقها وسعتها، وحسب استقرارها ورسوخها، وحسب قوتها وصلابتها، تعمل عملها، وتصلح أن يكون البناء عليها عظيمًا والصرح مشيدًا، ثم تليه إقامة الصلاة، وهي بمثابة الجدران والحيطان، ثم يليه أداء الزكاة وهي بمثابة تسقيف البيوت، فمن دخله كان آمنًا، وأصبح معصوم الدم والمال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام”، ثم يليه الصوم، وهو بمثابة تأثيث البيوت، حتى يتقي من الأذى والقلق والاضطراب، والصوم جنة ووجاء، فقد قال الله عزوجل:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”(البقرة: 183).
ثم يليه الحج وهو انتقال من مكان إلى مكان، وإظهار حب وحنان، والمقابلة بالقلب والجنان، وتعظيم شعائر الله، وتأدية مناسك الحج، تقليدًا لأبي الأنبياء والرسول خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، ومحاكاة لخاتمهم ومكملهم حبيب الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كتب العلامة الندوي رحمه الله في كتابه “الأركان الأربعة”: لقد كان المسلم في حاجة بعد هذه الصلوات التي يصليها كل يوم وبعد الزكاة التي يقوم بأدائها إذا تم النصاب، وحال الحول، وبعد شهر رمضان الذي يصوم كل يوم، إلى أن يشهد موسمًا هو ربيع الحب والحنان، وملتقى المحبين والمخلصين، ومشهد العشاق والهائمين”.
لأن “الشوق غريزة في الإنسان الحي السليم، وحاجة من حاجاته، فيبحث له عما يقضي به حاجته، ويروي غلته، وكان البيت العتيق وما حوله من شعائر الله والحج وما فيه من مناسك خير ما يحقق رغبته ويسلي حنانه وعاطفته”.
ويقول الإمام الغزالي: “الشوق إلى لقاء الله عزوجل يشوقه إلى أسباب اللقاء، لا محالة، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة، والبيت مضاف إلى الله عزوجل، فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة فضلاً عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل”.
وإليه أشار شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي إذ يقول:” ربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه، فلا يجده إلا الحج”.
الحج تقرب إلى الله وعبادة، وإظهار رق وعبودية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص، لبيك بحجه حقاً، تعبداً ورقاً”.
الحج شوق وهيام وحب وغرام، يخرج الحاج من بيته تفلاً شعثاً يهيم ويصيح ويثور على العقل وأعماله وعلى القوميات وطبقاتها وعلى الجنسيات وألوانها وعلى الفوارق المتمايزة واختلافها.
أمر على الديار ديار ليـلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

فلا يعرف إلا وحدة إلهية، وحدة إنسانية، وحدة عقيدة، وحدة مطلوب، ينطلق لسانه بنشيد واحد، ونعرة واحدة، يتسلى بها قبل الوصال، ويروي بها غلته، ويشفي بها علته، “لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك”.
فلما اقترب وصاله، وحان حين لقائه، ازداد شوقًا وهيامًا، واستعد له، وأحرم ودخل الحرم على مهجته ومقلته… فرؤية وزيارة، وطواف ورمل، تقبيل واستلام، سعي ووقوف، رمي جمرات، وذبح حيوانات.
فالحج إعلان للتوحيد وإخلاص العبودية لله، والمساواة الإنسانية، والقيام بخدمة أفرادها، ورمز للانقياد الكامل والاستسلام الكامل، وتعظيم لشعائر الله وحرماته، وإظهار الحب والحنان، وشدة الحنين إلى بيت الله وتجرد عن كل ما لاذ به وعلّق في حياته، وتخل عن كل ما اختلج في صدره، ودار في خلده سوى الله تعالى، فهو إطراح على عتبته، واستسلام لأمره، وإنقياد لحكمه.
* * *