رحلة ثقافية تربوية (الحلقة الثانية الأخيرة)

رحلة ثقافية تربوية
21 أبريل, 2026
رحلة ثقافية تربوية
21 أبريل, 2026

رحلة ثقافية تربوية (الحلقة الثانية الأخيرة)

د. أبو سحبان روح القدس الندوي

كتبت في الحلقة السابقة عن رحلة ثقافية في مدينة عليجراه ومراكزها العلمية والتعليمية، قام بها الشباب الباحثون في قسم الاختصاص بعلوم الحديث تحت إشراف كاتب هذا التقرير.
أما في هذه الحلقة الثانية والأخيرة فيكون حديثي حول مدينة دلهي عاصمة جمهورية الهند، وزيارة الجامعات وجمعية أهل الحديث المركزية ولقاء علمي تاريخي مع أميرها المبجّل.
وبعد، فقد وصلنا مدينة دلهي في الساعة العاشرة ونصف صباحًا، ونزلنا بمقر “جمعية أهل الحديث المركزية لعموم الهند، الواقع في منطقة “أبو الفضل انكليو” استقبلنا في مدخل الجمعية الدكتور شيش التيمي المسؤول الإداري عن الجمعية، واتخذ كل باحث مثواه المعدّ له، وتناولوا الفطور، ثم أُقيم حفل الترحيب في مكتبة الجمعية الزاخرة بالكتب في رفوف (Shelfs) منسّقة حسب الترتيب الموضوعي، رحب بالوفد فضيلة الشيخ الداعية صديقي / أصغر علي إمام مهدي السلفي / وهو أمير الجمعية منذ اعتلى عرشها.
بدأت الحفلة بتلاوة آي من الذكر الحكيم، رتلها أحد الباحثين، وتلاه الباحث / كفاية الله الندوي / وأنشد أبيات من شعر الدكتور محمد إقبال، ثم تفضل فضيلة الشيخ أصغر علي ورحب بالوفد بكل حفاوة وتقدير وسرور، واقترح على كل باحث أن يعرّف نفسه ومنتماه واختصاصه وموضوع بحثه النهائي المتقدم به لحصول الشهادة، وأثناء حديثهم المقترح عليهم استوضح السيد الأمير ملابسات الموضوع وأهم مصادره وناقشهم نقاشًا جادًّا كأنه يناقش رسالة جامعية والباحثون بين يدي لجنة التحكيم لتقييم الرسالة، هكذا شأن أهل العلم في كل زمان ومكان.
أما أبناؤنا الباحثون المناقَشون فلم يلقوا الإعياء عن الإجابة ولله الحمد.
أما فضيلة الشيخ أصغر علي السلفي فهو من أبرز خريجي الجامعتين الأثيرتين، الجامعة السلفية بوارانسي والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ويُعدّ من أعلام السلفيين المعاصرين على الصعيد العالمي، له جولات ورحلات، مشاركات وإسهامات فعّالة في ندوات ومؤتمرات، كما يتميّز فضيلته بالوسطية واحترام جميع الطوائف والهيئات، يعمل ليل نهار لتطوير الجمعية منذ تولاها، ويمثّلها أحسن تمثيل، يرحّب كلّ زائر ونازل، ولا يقصّر، بارك الله في حياته وأعماله المسندة إليه.
ومن ثم توجهنا إلى “جامعة همدرد” الواقعة في “تغلق آباد” بدلهي، استقبلنا مسؤولو قسم الدراسات الإسلامية، وأساتذته والباحثون وغيرهم في مكتب رئيس القسم، وشرّفنا فضيلة الدكتور غلام يحيى أنجم بحضوره الميمون، وقد جمعني الله وإياه في موسم الحج عام 2018م على ضيافة وزارة الشؤون الإسلامية للمملكة العربية السعودية وقضينا أسبوعين كاملين سويًا في الحرمين الشريفين، ولله الحمد.
وقد تبادلنا مع مسؤولي القسم وأساتذته سادة وسيدات التعارف والتعريف فيما بيننا وتهادينا الكتب والإنجازات العلمية، وتجول بالوفد الدكتور غلام يحيى حول مناشط قسم الدراسات، مبناه ومكتبته ومكاتبه، وفارقناهم مشكورين ومقدّرين لهم.
ومن هناك انطلقنا مبادرين إلى زيارة “جامعة جواهر لال نهرو” (JNU) الخضراء المحدقة بالأشجار الطويلة المكثفة، والدواجن الأليفة (Pets) والطيور الجميلة المتغردة.
لاجرم أن مثل هذا الموقع وطيبه وجماله الطبيعي يُجدّ للنازلين فيه مُنىً وذكريات ويولّد القرائح ويفتح مغاليق ويوفِّر جوّ التمتع بجمال الكون ويحيى النشاط والحيوية والتغني، ولو أعطيت الجبال القاحلة الجرداء والسحابة الباسقة البيضاء… مثل هذا الموقع الهائج لتغنّت، كذا كان حالنا وعواطفنا.
دخلنا رحاب الجامعة، وتوًّا بعد الدخول أُقيمت حفلة الترحيب والاستقبال، رحب بنا رئيس قسم اللغة العربية الدكتور قطب الدين الندوي بكلمات مشحونة بالحماس وا لنشاط والولوع والمحبة، ثم تناول الدكتور قطب الدين أنشطة القسم نحو إحياء اللغة العربية وتطويرها، لاسيما برنامج ثقافي لليوم العالمي للغة العربية على الشاشة الالكترونية (Projector) المعجب بها لدى الناظرين.
أما حديثي فيها فكان مسك الختام، تعرّضت فيه جوانب مهمة من منزلة اللغة العربية ومدى حاجتها اليوم في سوق عالمية معاصرة، حيث أصبحت العربية رابطة التواصل الدولية، وقد استقت العربية اليوم من لغات حديثة عالمية وثقافة معاصرة متنوعة، كما استعربت في غابرها حتى أُلّفت معاجم في المعرّب، والدخيل، والمولّد، وقد أسهم في تأليفها الجواليقي والخفاجي وف. عبد الرحيم ومن سواهم، وظهرت معاجم عربية – إنجليزية مثل: “Arabic English Dictonary Edited by J.M. Cowan”. و”المورد” إنكليزي – عربي لصاحبه منير البعلبكي (ت 1999م).
و”سنگم” قاموس إنكليزي – عربي وأردو (1–3) تأليف حكيم عزيز الرحمن الأعظمي (ت2009م) وهو الشقيق الأكبر للأستاذ الدكتور سعيد الأعظمي، وما إليها من المعاجم في لغات شتى.
وختامًا نبّهتُ الدارسين والدارسات والباحثين والباحثات إلى كسب مهارات في المجالات اللغوية، وتركناهم شاكرين لهم ومتأسفين وجئناهم مولعين بهم وراغبين، وهكذا الحياة عبارة عن اللقاء والفراق والحل والترحال حتى الحياة والموت.
وشدّ الوفد رحالهم إلى مقر جمعية أهل الحديث المركزية حيث كانوا نازلين، وبعد نزولهم أقاموا صلاتي المغرب والعشاء قصرًا وجمعًا وأقبلوا على العشاء الجاهز ولجأوا إلى فراشهم وباتوا خير مبيت واستيقظوا مبكرين وصلوا الفجر وحضروا في مكتبة الجمعية لاستماع محاضرة صديقي الدكتور عبد الرحمن الفر يوائي وقد تناول الدكتور الفريوائي جوانب من أولويات العقيدة ومباحثها المهمة، وكانت المحاضرة ممتعة وموجزة أفاد فيها المحاضر وأجاد، جزاه الله خيرًا.
وفي الساعة الثامنة ونصف أفطرنا، ثم توجه الباحثون إلى زيارة معالم تاريخية في دلهي، ورجعوا إلى الجمعية قُبيل الجمعة وأدركوا خطبة الجمعة التي ألقاها أمير الجمعية فضيلة الشيخ أصغر علي، وكانت الخطبة بلسان القوم لغةً ومستوى، تناول الخطيب منزلة القرآن الكريم من خلال آية من سورة الإسراء:99: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ” إلخ.
وبعد الصلاة تناولوا الغداء، ثم بادروا إلى زيارة “الجامعة الملية الإسلامية في نيو دلهي، وجاءوا إلى قسم اللغة العربية حيث استقبلهم رئيس القسم (HOD) الدكتور نسيم أحمد الندوي في حفلة أقامها القسم لترحيب الوفد ولقائهم، وشارك فيها أساتذة أقسام أخرى، ألقى الدكتور التعريف بالجامعة ودورها البارز في خدمة العلم والدين عبر التاريخ.
وداخَل في الحديث (مُداخلة: Interference) بصدد الموضوع نفسه الدكتور جاويد أختر واختار في كلمته إسهامات الجامعة الملية الإسلامية في مختلف الميادين من التفسير والحديث والفقه، وبمناسبة الوفد الدارسين في الاختصاص بعلوم الحديث تناول اعتناء الجامعة بالحديث وعلومه وأحال في ذلك كله إلى كتابه بالإنجليزية الموسوم:
“Jamia Millia Islamia and Its contribution to Islamic Studies, Achronalogical Study from 1920 to 2011”.
كان بين يديه ويقلب الصفحات ويزوّد الحضور بمعلومات مهمة.
ثم فتح الدكتور نسيم باب طرح الأسئلة الموجهة إلى الباحثين وذلك اختبارًا للوقوف على مدى مستواهم العلمي، وطبعًا دارت الأسئلة حول الحديث وعلومه وتاريخ تدوينه وأسلوبه الأدبي والبلاغي وما إليه.
وحوّل الدكتور نسيم حفلة الترحيب إلى ندوة علمية، وقد تنافس الباحثون في الإجابة، وقد استدرك كاتب هذا التقرير إجاباتهم وزاد قدرًا مناسبًا.
ثم انصرفنا قُبيل المغرب من الجامعة وجئنا جمعية أهل الحديث، فمنا من صلّى المغرب دون العشاء ومنا من جميع بين المغرب والعشاء جمع تقديم.
وبعد الفراغ من الصلاة اشتغل كلٌّ منا في تجهيز عفشه (Luggage) وركبوا السيارات إلى محطة نيودلهي، مارين “بجامع مسجد” ونزلوا قرب الجامع وحطوا عفشهم وحقائبهم في مكتب جمعية أهل الحديث القديم، وتجولوا ضواحي الجامع وتسوقوا ما بدالهم (التسوق: Shoping) وصلى العشاء في مسجد الجمعية من لم يصل، وكنا مستعجلين جدًا كي لا يفوتنا القطار، واسندتُ أحد الموظفين بالجمعية أخذ وجبة العشاء المناسب من السوق، ليتناولوا في القطار. (وجبة: Meal)
وقد استلمنا كتبًا مهداة من الجمعية إلى مكتبة العلامة شبلي النعماني بندوة العلماء، وإلى مشرف الرحلة، ومن أهم الكتب المهداة:
• تاريخ أهل الحديث (1–10) تأليف الدكترو محمد بهاء الدين.
• دبستان نذيريه (1–3) تأليف الأستاذ محمد تنزيل الصديقي الحسيني.
(وهو تذكرة وتراجم تلامذة الإمام المحدث السيد نذير حسين ا لدهلوي (1805–1902م) المنبثين في أنحاء شبه القارة الهندية.
وصلنا المحطة على موعد وأدركنا القطار ولله الحمد، وتعشينا في القطار ونمنا على بركة الله ووصلنا محطة لكناؤ صباحًا مع سلامة الله، والطلبة الباحثون قد راحوا إلى دار العلوم، آئبين تائبين لربهم حامدين، ورحتُ أنا إلى منزلي، والتقينا أوقات الدوام (Working Hours) في دار العلوم مسرورين وفرحين حامدين لربنا وشاكرين لمسؤولي الجامعة.