النور والدَّيجور
8 مارس, 2026رحلة ثقافية تربوية
د. أبو سحبان روح القدس الندوي
من أبرز الخطوات التي سلكها رئيس ندوة العلماء فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي إنشاء نظام الاختصاص في أقسام خمسة من العلوم (علوم التفسير، علوم الحديث، الفقه الإسلامي، الدعوة والتاريخ، والأدب العربي).
كما وافق فضيلته خطة برنامج ر حلات ثقافية تربوية، يقوم بها طلبة كل قسم من الأقسام بإشراف مشرفيهم، كي يزوروا مراكز العلم والثقافة، ويتمتعوا بالوقوف على المكتبات الزاخرة العامرة وخبايا زواياها، ويلقوا أعلام المراكز العلمية والمؤسسات التعليمية والجامعات العصرية والمدارس الدينية وطلابها وأساتذتها ويتبادلوا ثقافات ومعارف وخبرات وما إليها إفادة واستفادة، وبالتالي يشاهدوا معالم تاريخية لتلك المناطق والمدن، وذلك تحقيقًا لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” [الحجرات: 13]، فالتعارف من خصائص ديننا.
وفي السنوات الغابرة (2024–2026م) شدَّ طلابُ هذه الأقسام رحالهم إلى ما يأتي من المكتبات والمؤسّسات:
• مكتبة رضا الواقعة في مدينة رام فور بولاية أترابراديش.
• مكتبة خدا بخش الواقعة في مدينة بتنه بولاية بيهار
• مؤسسة مولانا آزاد العربية والفارسية للبحث والتحقيق في طوك بولاية راجستهان
• دار المصنفين (أكاديمية شبلي النعماني) الواقعة في مدينة أعظم جراه بولاية أترابراديش
• الجامعةا لإسلامية، مظفرفور بأعظم جراه، أترابراديش.
• مدرسة الإصلاح، سرائ مير بأعظم جراه، أترابراديش.
• مدرسة الفلاح وجامعة الرشاد بأعظم جراه، أترابراديش.
• الجامعة الإسلامية المعروفة بدار العلوم ديوبند الواقعة في ديوبند بولاية أترابراديش
• جامعة الهداية الواقعة في مدينة جى فور بولاية راجستهان
• المعهد العالي للإفتاء الواقع في فلواري شريف، بتنه بولاية بيهار
وأعدوا تقارير رحلاتهم ونشروا بعضها في صحيفة “تعمير حيات” و”الرائد” الصادرتين في دار العلوم لندوة العلماء.
أما رحلة طلاب قسم الاختصاص في علوم الحديث هذا العام الدراسي (2025–2026م) فقام بها باحثو هذا القسم واختاروا زيارة مدينتي العلم والثقافة والتاريخ: عليجره ودهلي وجامعتهما العريقة الأثيرة، وأشرف على الرحلة كاتب هذا التقرير أبو سحبان روح القدس الندوي.
بدأت الرحلة مساء يوم الاثنين 5/12/2025م، ركبنا القطار، ووصلنا محطة عليجره صباحًا مبكرًا 6/12/2025م وصلينا الفجر في مسجد على بعد يسير من المحطة وتناولنا الشاي، ثم توجهنا إلى المقر المعدّ لنا في “مدرسة العلوم الإسلامية”، فرع دار العلوم لندوة العلماء، ونزلنا فيها وأفطرنا، واستقبل الوفدَ عميدُ المدرسة الدكتور محمد طارق الأيوبي الندوي وأساتذة المدرسة، وتجهزنا للحضور في حفلة الترحيب والتكريم التي عقدتها المدرسة في الساعة الحادية عشرة، رحّب بالوفد الدكتور الأيوبي وقدم إلى مشرف هذا الوفد باقة الأزهار (Buke) ودرعًا تذكاريًا (Momento)، كما استقبل الوفد طلاب المدرسة وقدموا إليهم دروعًا تذكارية أيضًا، فلهم جزيل الشكر وعظيم التقدير.
بدأت حفلة الترحيب بتلاوة آي من الذكر الحكيم تلاها طالب في المدرسة وعرض عدد من الطلبة “أنشودة الندوة”، ثم رحب الدكتور الأيوبي بالوفد وأفاد في كلمته إنشاء هذه المدرسة ومراحل تطويرها، وأكد في كلمته عقد الندوة العالمية عام 2014م حول حياة العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي وجهوده في مجال العلم والأدب.
دُعي في الحفلة علمان بارزان من أعلام جامعة عليجره:
أحدهما: الدكتور عبد الرحيم القدوائي، والآخر: الدكتور محمد سعود عالم القاسمي.
أما الدكتور القدوائي فهو متخصص بدراسة الاستشراق فإنه تناول في حديثه مرورًا سريعًا حول نشأة الاستشراق وتاريخه عبر العصور وأهداف المستشرقين، فأفاد وأجاد.
أما الدكتور القاسمي فله إلمام بالعلوم الشرعية، ألقى في كلمته أضواءً تهم طلبة الاختصاص في علوم الحديث وذكر إعجابه بسماحة الشيخ أبي الحسن علي الندوي، ولفت أنظار الطلاب إلى مطالعة كتابين: حجية السنة: تأليف عبد الغني عبد الخالق، والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: للسباعي.
ثم تحدث مشرف الرحلة ما تيسر من حديث وعرّف بنظام الاختصاص في العلوم، وذكر المقرر الدراسي بقسم علوم الحديث، وعناية مسؤولي دار العلوم بأقسام الاختصاص وأضاف قائلاً: إن قيام الرحلات يزيد ثقافة الطالب ونشاطه، وقدم كلمة الشكر والتقدير للقائمين والمسؤولين عن المدرسة وترحيبهم بالوفد، وانتهت الحفلة بغاية من الشوق والأمل الملموسين، وصلينا الظهر وتغدينا واسترحنا ما شاء الله، وصلينا العصر وتوجه كل منا إلى “مؤسسة التأليف والتحقيق” وبعد وصولنا مباشرة أذن المؤذن وصلينا المغرب، ثم أقيمت حفلة الا ستقبال والترحيب ورحّب بنا سكرتير المؤسسة الدكتور أشهد جمال الندوي وعرّف بالمؤسسة ونشاطاتها ومنجزاتها وأهدافها.
ثم ألقى البروفيسور محمد يوسف أمين محاضرة قيمة عنوانها: “أصول الفكر الإسلامي ومقتضياته” وأشبع حديثه، وواصل حديثه وأتمه كاتب هذه السطور وتحدث عن “العبادة في الإسلام مفهومها ومجالاتها وشروط قبولها” وأحال إلى مطالعة كتابين: العبودية لابن تيمية، والعبادة في الإسلام للقرضاوي.
وصلينا العشاء وتعشينا جميعًا وقمنا بزيارة استطلاعية للمؤسسة وأقسامها، وجلسنا في مكتبة المؤسسة مع سكرتير المؤسسة والباحثين فيها، وشربنا الشاي وتعرفنا وعرّف كل باحث نفسه، وانتماءه إلى ولاية في ربوع الهند وعنوان بحثه، وتطرق الحديث إلى أمور وقضايا تهمّ الباحثين وأهدى إلينا السكرتير إصدارات المؤسسة ومجلتها الفصلية ورجعنا في الساعة الحادية عشر إلى المدرسة وبتنا على ذكر الله وأصبحنا عليه، وشربنا الشاي، وبعد برهة من الوقت أفطرنا وجهزنا أنفسنا للجولة في رحاب جامعة عليجره الإسلامية، وتجولنا في الحي الجامعي وأقسام الجامعة ولقينا رؤساء الأقسام، ودخلنا مبنى مكتبة مولانا أبي الكلام آزاد وزرنا المكتبة ونظامها، ومررنا بإدارة مجلة “تهذيب الأخلاق” وأهدى إلينا المسؤول عن المجلة عدد ديسمبر 2025م.
وفي نهاية المشوار شاهدنا المباني القديمة ومكتب المؤسس وقاعة الاجتماع وصلينا الظهر في الجامع الجميل، وصحبنا في هذه الجولة الدكتور محمد أعظم الندوي والدكتور فخر عالم الندوي، والأخ العزيز عمير محمد الغزالي الندوي، وهؤلاء كلهم تخرجوا في دار العلوم لندوة العلماء ودرسوا عندنا، أما الفتى النابغ عمر الغزالي فهو مواصل دراسته في قسم القانون بالجامعة، أما الدكتور محمد أعظم فإنه أكمل دراسته في قسم الطب اليوناني، وأما الدكتور فخر عالم فأتم دراسته في قسم الأدب من الجامعة وهو باحث كتب عدة بحوث ورسائل ويترقب الوظيفة في الجامعة وفي غيرها من الجامعات ليستخدم ما تلقاه من علم ومعارف، ومررنا بمركز الدراسات القرآنية المنسوب إلى البروفيسور خليق أحمد النظامي.
وكان آخر مشوارنا في مدينة عليجره زيارة “أكاديمية ابن سينا” ولقاء مؤسسها الدكتور ظل الرحمن الحائز عدة جوائز ووسام الشرف من الجهات المعنية بالثقافة والأدب ومن الأكاديميات المختصة بأعلام الطب والأدب داخل الهند وخارجها، وقد أُلِّف 17 كتابًا عن أعمال الدكتور ظل الرحمن في مجال العلم والطب، وهو خريج قديم عام 1954م في دار العلوم لندوة العلماء، وعضوء في المجلس الاستشاري لندوة العلماء، وإنه قد قضى حياته في إنشاء “أكاديمية ابن سينا” في مدينة عليجره، وتطويرها وجمع النوادر فيها فأصبحت الأكاديمية متحفًا تاريخيًا ثقافيًا، تتميز باقتناء الكتب العلمية وخاصة بجمع ما ألف عن الشاعر الأردي “أسد الله خان غالب (م 1879م) حياته وشعره.
فينبغي كل نازل مدينة عليجره أن يتمتع بزيارة هذه الأكاديمية الحافلة.
وبعد القيام بمرور تفصيلي للأكاديمية جلسنا مع الدكتور ظل الرحمن فإنه أكرمنا ورحّب بنا وأفادنا بما خطر بباله من أحاديث ممتعة ونحن تمتعنا من أطراف حديثه وقد طالت الجلسة معه بلا سآمة وملل وما كنا مستعجلين وراغبين عنه ومفارقين حديثه لو لا خشية تعبه وإرهاقه، فكانت الفرصة غالية جدًا، لا جرم أن الدكتور ظل الرحمن من نوادر الرجال في هذا العصر، وأخيرًا شربنا الشأي وأكلنا بسكويت وفارقناه غير مشبعين من حديثه المترامي الأطراف وذي الشجون، حفظه الله وبارك في حياته ذخرًا للعلم والثقافة وأهلهما.
رجعنا مؤخرًا إلى المبيت في المدرسة وصلينا العشاء وتعشينا، ولجأنا إلى الفراش وقمنا مبكرين وصلينا الفجر وأخذنا فنجانا من الشأي مع بسكويت، وركبنا سيارتين فاخرتين متوجهين إلى عاصمة الهند متمتعين بمناظر الكون الجميلة، ووصلنا دلهي في الساعة العاشرة نصف ونزلنا مبنى “جمعية أهل الحديث” في منطقة “أبو الفضل”، بسلامة الله ورعايته.
ولنا عود إلى الحلقة الثانية من رحلتنا في دلهي ومشاهدتنا ولقاءاتنا في عدد لاحق من “الرائد” إن شاء الله تعالى.

