كن بصيرا في زمن الفتن

كيف تصنع نجاحك
21 أبريل, 2026
كيف تصنع نجاحك
21 أبريل, 2026

كن بصيرا في زمن الفتن

محمد خالد الباندوي الندوي
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ربما ترى – أيها الأخ – مشهدًا مؤثرًا فتتأثر بما لصاحبه من الجرأة والشهامة، أو تسمع خطابًا حماسيًا فتعجبك طلاقة لسانه، ونبرات صوته، وعذوبة كلماته، فتندفع بالمحبة والتأييد، والتكبير والتهليل، لا لأنك أدركت الحق بدليله، بل لأن الصورة كانت قوية،والكلمات كانت جذابة رنانة.
لكن يا اخي! إن ديننا لم يبن على العاطفة وحدها، بل على العلم والبصيرة. ألم تسمع قول الله تعالى:”يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنباءٍ فتبينوا”.
فقد كلفنا الإسلام بطلب البرهان في كل أمر وخاصة في مجال العقيدة وأمرنا بالتبصر في كل برهان في مجال الشريعة، فلا تتعجل في اتخاذ قرارثابت لمجرد المشاهدة، ولا تنخدع لكل مقال حتى يتبين لك صدقه من كذبه،وينجلى لك باطنه من ظاهره، إذ الاستعجال ربما يفضي بصاحبه إلى الندامة، ويؤدي به إلى الضلال والخسران.
وكثيرًا ما نسحتسن أمرًا في أول وهلة ثم إذا أنعمنا النظر فيه وجدنا خلافه، وبالعكس نستهجن شيئا ثم يتبين لنا خيره بدقة النظر فيه، فلا بد من التدبر والتبصر قبل تبني فكرة أواتخاذ موقف منه، لأن الأمور قلب، والمواقف متشابهة، والمظاهر خداعة، وما أحسن من قال: ليس كل ما يلمع ذهبا، ولا كل سوداء تمرة وكذلك ليس كل من عادى خصمك صار صديقًا، وليس كل شعار براق يحمل حقيقة صادقة، قال الله تعالى:”ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهدالله على ما في قلبه وهو ألد الخصام”. فكم من كلام يعجب السمع، لكنه لا يصمد أمام ميزان الحق.
وهذا في الأمور العادية والحياة اليومية،وأما وإذا كان الأمر يتعلق في مجال السياسة فيكون أكثر انغلاقًا على العقل، وصعبًا على الفهم،ولا يتيسر لكل أحد أن يصل إلى حقيقة الأمر فإن لها رجالا عكفوا عليها ونذرواحياتهم في فهمها وعايشوا أهلها وتابعوا أخبارهم ومواقفهم في مختلف الظروف، فتحصل لهم بصيرة حتى يتخذوا موقفا أو يتبنّوا رأيا.
وأنت تعرف– أيها الأخ– أن السياسة تحكمها المصالح وهي التي تقود رجالها،وهي ميدان تغلب فيه الأغراض على المبادئ والقيم، فقد تلتقي مصالح رجال السياسة يومًا، وقد تؤيد – أنت – موقفًا سياسيًا اتخذه بعضهم لاعتبار معين،فلا يعني ذلك أنك ترضى به رغم علاته، وتقبله مع ما فيه من عيوبه، وحذار أن تركن إليه عقيدة في مثل هذه المواقف السياسية، لأن السياسة شيئ والعقيدة شيئ آخر مختلف عنه تمامًا، فلا تسمح لنفسك أن تذوب عقيدة، أو أن تغير ثوابتك الدينية من أجل موقف سياسي عابر، فنحن المسلمين لنا عقيدة سماوية، و هوية خاصة،ولنا منهج محدد، ولنا أصول وثوابت مقررة لا نساوم عليها.
وهنا تأمل هذا الدرس العظيم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
في صلح الحديبية، لما رأى بعض الصحابة رضي الله عنهم شروط الصلح، ثار في نفوسهم شعور بأن في الأمر تنازلا، وكان المشهد يوحي بالضعف، والعاطفة كانت مشتعلة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى ظاهر الصورة، بل نظر ببصيرة ووحي سماوي، فقبل الصلح،ومرت الأيام، فظهر أن هذا الذي ظهر بادئ الأمر ضعفا كان فتحا عظيما، حتى قال الله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا.
فلو أن الصحابة – يا أخي – انساقوا وراء عاطفتهم في تلك اللحظة، لضاع خير عظيم لكنهم عرفوا أن الحق لا يقاس بحرارة المشهد، بل بنور البصيرة.
فاجعل هذا ميزانك: لكل فكرة، وكل دعوة، وكل شعار، اعرضه على أصولك، لا على مشاعرك فقط.