هل ضلّ الطريق؟

رسالة عيد الأضحى
17 يونيو, 2026
رسالة عيد الأضحى
17 يونيو, 2026

هل ضلّ الطريق؟

(محمد خالد الباندوي الندوي)
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ربما تتردد في نفسك – أيها الأخ – الأسئلة، وتتزاحم في عقلك الحيرة: ألسنا مسلمين؟ ألسنا نصلي ونصوم؟ ألسنا نقرأ القرآن ونردد كلمة الإسلام صباح مساء؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا هذا الفرق الهائل بين واقعنا اليوم وواقع أسلافنا بالأمس؟ ولماذا هذا البون الشاسع بين حظنا وحظهم؟ ولماذا كانت لهم العزة والريادة، وأصبح لنا الضعف والتبعية؟ وهل تاه بنا الطريق؟
فإذا أنعمت النظر وتدبرت في ضوء ما أوتيت من العلم وقوة الفكر وجدت –لا محالة –الحقيقة، وصدمك الجواب عن هذا السؤال: إن الفرق بيننا وبين هؤلاء واضحا بينا،وهو أنهم كانوا أصحاب جد وعزيمة صادقة،ونحن متجردون عن تلك، فإن أولئك الذين صنعوا أمجاد الأمة لم يكونوا بشرا من طينة أخرى، ولم يعيشوا في ظروف مثالية خالية من الصعوبات، وإنما كانوا أصحاب إيمان صادق، وعزائم قوية، ونفوس كبيرة، أدركوا رسالتها في الحياة فعاشوا لها وضحوا من أجلها.
تذكر – أيها الأخ – طارق بن زياد يوم وقف على شاطئ الأندلس، والبحر وراءه، والعدو أمامه، والمستقبل مجهول، لم تكن بين يديه وسائل القوة التي نعرفها اليوم، ولم يكن يملك من أسباب النصر إلا قلبا ممتلئا باليقين بالله، وروحا لا تعرف الهزيمة، في ذلك الموقف العصيب لم يسأل: ماذا سأخسر؟ بل سأل: ماذا يجب أن أقدم؟ فكان النصر ودانت له الرقاب،وخضعت له الملوك والبلاد، وكتب الله على يديه صفحة مشرقة من صفحات التاريخ.
وتذكر – كذلك – أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين حملوا هذا الدين إلى العالم. لقد ذاقوا ألوان الأذى والابتلاء، ولكنهم لم يتراجعوا عن مهمتهم، ولم يتنازلوا عن هدفهم بل صمدوا أمام الرياح الطاغية صمود الأبطال، ووقفوا ثبوت الجبال. فهذا خبيب رضي الله عنه يقف أمام الموت ثابتا مطمئنا، ثم يقال له: أتحب أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مكانك؟ فيجيب بكلمات تفيض صدقا ووفاء: والله ما أحب أن يشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة وأنا في أهلي وولدي.
إن الأمة – أيهاالأخ – لا تصنعها الأماني، ولا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض الأمة بالإيمان والعلم والعمل والتضحية. نعم، لقد تأخرنا في كثير من ميادين الحياة، ولكن الخطر الأكبر ليس تأخرنا في الصناعة أو التقنية، بل تأخرنا في بناء الإنسان. إن أزمة الأمة في حقيقتها أزمة قيم، وأزمة مسؤولية، وأزمة شعور بالواجب،إن الأمة لا تتغير إذا كان كل واحد منا منشغلا بنفسه فقط، ولا تنهض إذا غلبت المصالح الشخصية على المصالح العامة، وإنما تنهض حين يوجد في صفوفها شباب يحمل هم دينه وأمته، ويجعل من حياته رسالة ومن وقته أمانة ومن علمه خدمة للناس.