الإنسان واللسان ورمضان
7 مارس, 2026الاتحاد الإسلامي ضرورة أكيدة
(سعيد الأعظمي الندوي)
إن متابعة أخبار العالم اليوم تثير خوفًا في النفوس مما إذا كان قد اقترب موعد الفساد العام الذي ينتشر على جميع المستويات وفي كل بقعة من بقاع العالم البشري، ويبدو أن تفسير قول الله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ” [الروم:41]، يترآي في الآفاق، من خلال الآليات المدمرة التي تفجر النار والدمار وتلوث البر والبحار بالسموم والدخان المكثف، وازدهار أسواق الأسلحة وتكاثر مصانع المتفجرات، ومخزونات الذخائر الحربية، والتسابق في الفنون الإرهابية، ومحاربة الأمن والسلام العالمي واستهداف الدول المسالمة والأشخاص القائمين باستبدال أخطار الإبادات بأوضاع السلم والسلام والعمل الإيجابي.
يبدو كأن العالم البشري من الشرق إلى الغرب يعيش على فوهة براكين توشك أن تعم بانفجارها جميع معالم الحب، وتكهرب العالم البشري بمكهربات الفناء والنهاية الأخيرة، ولا ريب أن حب الذات واللذات انتشر من غير قياس في الطبقات والمجتمعات بوجه عام، وأصبح العدل والإيثار والعطف ودافع الخدمة معدومًا وحلت محله أدواء خلقية من الجور والعسف والطغيان، وصار الإنسان أضل من البهائم، وباتت الفضائل الإنسانية حلمًا من الأحلام ولم يعد هناك من الناس العادلين المتصفين بالرحمة والنصح والخير إلا بقدر ضئيل وعدد قليل، فإذا بالإنسانية تعاني من قسوة وظلم لا يكاد يقدر وتئن أنين الرضيع المسكين.
أليس ذلك كله نتاج السباق في إحراز اللذات كلها من المال والمنصب، والغناء والرفاهية والنعم وشدة الطمع في جمع المال وتكديس الخزائن واعتبار العالم كله عيالاً عليه.
إنها الحضارات المشبوهة المشبوبة التي أورثت مجموعات إنسانية أدواء خلقية وأمراضًا نفسية رغم أنها تقدمت في الصناعات والتقنيات، وسبقت في مجالات مختلفة بالنسبة إلى المجتمعات البشرية المتخلفة في العادات والتقاليد الحضارية ولكنها أفقد الإنسان قيمته ووظيفته، وأنسته الغرض الذي خلق من أجله، وما هو إلا أن يعرف الإنسان خالقه ويعتقد بوحدانيته، ويؤمن بالتعاليم التي تتفق وطبيعته، والتي بعثها الله سبحانه عن طريق خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عبر الله تعالى عن ذلك الهدف التي يرتبط بخلق الإنسان في هذا الكون ورفع شأنه وتفضيل مكانته إزاء المخلوقات الأخرى، وذلك بقوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ” [الذاريات:56–58].
أما الواقع الذي يعيشه الإنسان اليوم فهو ما نراه على المستوى العالمي، وما يجتاز به من ذلة وخسارة في وطنه وبين بني جلدته، وحتى في أجزاء العالم التي تسمى بالعالم الإسلامي، إنما هي سياسة يصممها الغرب لكي يوزع المسلمين بين فئات وشتات، ويذيقهم عذاب التفرق والتشتت والتمزق، فلا يبقى لهم كيان ولا وجود ولا يبقى لهم صوت ولا رمق من الحياة، ويفقدوا تاريخهم المشرق، ويتناسوا جلائل أعمالهم، ويكونوا كلا على غيرهم.
فإن الأمة المسلمة أحوج ما تكون إلى العيش في ظل الوحدة الإسلامية، ونرجو أن يعرف كل بلد مسلم أهمية الوحدة والتضامن، وأن يقر كل شعب مسلم مهما كان بضرورة الوحدة الإسلامية التي مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد، وأمرنا الله سبحانه وتعالى بها في كتابه العظيم فقال: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا” [آل عمران:103]. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

