النظرة الإيمانية
1 فبراير, 2026الإنسان واللسان ورمضان
(سعيد الأعظمي الندوي)
أظن أن جميع أصحاب العلم والعقل مجمعون على أن الإنسان يُبنى على أسس سليمة من العقيدة والإيمان والعمل الصالح، ودور اللسان في هذا البناء بمثابة حجر الزاوية في المباني الشامخة والعمارات الضخمة العالية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة” (رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي).
وقد نزّل رسول الله صلى الله عليه وسلم اللسان منزلة الآليات التي يدفع بها الشر والمنكر، ذاك أن اللسان يعبّر عن أسرار القلب، لذلك فإن كل كلام يكون دليلاً على ما يبطنه القلب، فإن المنكر الذي يتظاهر به المرء يُعرب عن فساد ذلك النظام الذي وضعه الله سبحانه لتربية الإنسان المسلم، وتنشئته على سيرة مثالية تكون نموذجًا للآخرين، (والعياذ بالله) ذاك أن المنكر لا مبرر له في أي حال أو ظرف ولا يعرف سِره إلا الله تعالى، وذلك يعني أن المنكر معصية كبيرة، لا يجوز غض البصر عنه وتركه على ما هو عليه مع صرف النظر عن مضاره، ومعالجته بوسائل متيسرة من قوة اليد واللسان، أما إذا كانت المصالح الاجتماعية والظروف السياسية وسيطرة المفسدين في الأرض داعية إلى السكوت، فيلزم الإنكار بالقلب، وذلك آخر وأضعف وسيلة لإزالة المعاصي وإنكار المنكرات من المجتمعات البشرية.
وكذلك كلمة الحق عند سلطان جائر تنبع مع أعماق قلب المؤمن، الذي لا يبالي بما إذا أصيب بضرر كبير، أو بخسارة فادحة، لإنه يثق بأن الله تعالى هو الموفق للصواب، ويعتقد أجزم اعتقاد بأن لسانه لا ينطلق أمام الجبابرة والظلمة إلا بأمر آمر ونصر ناصر، فيثاب على كلمة حق صدرت من قوة اللسان مصحوبة بقوة الإيمان “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن يستطع بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
ثم إن لسان المرء قد يكون عاملاً كبيرًا في بناء السيرة المثالية، والانصراف عن الأخلاق المرذولة، والالتزام بالسلوكيات الإيمانية التي جاء بها الإسلام، وبُعث رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم لتحليتها بالمكارم والفضائل، وبكل ما يرضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن اللسان يكون أداة للفساد والإفساد، وللهدم والتخريب، وللشقاء وتحبيب المنكرات والسيئات إلى الناس أفرادًا وجماعات.
وإن لصيانة اللسان عن السلبيات والمنكرات وتركيزه على الإيجابيات والحسنات أجرًا عظيمًا من الله تعالى، ولا سيما في شهر الله المبارك الذي أنزله الله تعالى لعباده المؤمنين، لتدريبهم على التقوى والذكر في المعاملات، والتحلي بالفضائل والآداب، عسى أن يرزقه الله تعالى لحظات سعيدة وفرصًا سانحة حانية للاتصال بالله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
أليس في هذا الحديث النبوي الشريف من الصراحة بما يكفي لحفظ اللسان وصيانته، وخاصة في الشهر الفضيل، أليس فيه ما يُنَهْنهُنا عن الكذب والزور وعن جميع سيئات القول التي تهدم الحياة والمجتمع، وتفشي الفساد والمنكر على أوسع نطاق في حياة الناس، وإنني أعتقد أن الإنسان إذا تعود على صيانة اللسان وحفظه وتدرب على ذلك شهراً كاملاً فلا بد من أن يلتزم بذلك في جميع الشهور الآتية والأيام المقبلة، ويتذوق في المستقبل لذة نعمة حياة سعيدة تكون مغبوطة لدى الناس، ولا يرضى بالحيد عنها قيد شعرة بأي ثمن باهظ.

