يوم حقوق الإنسان

العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله
17 يناير, 2024
أهداف الأستاذ أبي الحسن علي الندوي في كتابة أدب الأطفال
17 يناير, 2024

يوم حقوق الإنسان

محمد واضح رشيد الحسني الندوي

يحتفل العالم بالعاشر من شهر ديسمبر كل عام، كيوم حقوق الإنسان، فتعقد اجتماعات وحفلات بهذه المناسبة، للتنويه بميثاق حقوق الإنسان الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948م، لحماية حقوق الإنسان، ويتضمن هذا الميثاق الحرية الشخصية، وحرية العقيدة، وحرية الرأى، وعدم التمييز، ويعتبر هذا الميثاق انتصاراً عظيماً في مجال صيانة كرامة الإنسان، وتأمين حريته لمسايرة التقدم الحضاري، الذي يدعى الغرب أنه رائده، وفي كل احتفال بهذا اليوم يركز المتحدثون على نقطة واحدة، وهي حرية الإنسان، وعدم التمييز على أساس العقيدة، أو الجنس، ويقوم عليها أساس الميثاق، فيقول البندان الأولان للميثاق.

“كل إنسان يولد حراً ومساوياً في الكرامة والحقوق، ورزق عقلاً وضميراً، ويجب أن يعمل بعضه مع الآخر بروح الأخوة”.

” كل شخص يستحق سائر الحقوق والحرية التي يتضمنها هذا الميثاق بدون أي تمييز على أساس العنصر واللون، أو الجنس واللغة، والدين، والسياسة، أو الرأى، والأصل القومي أو الاجتماعي، والاقتصاد والمولد والمنزلة، لا يمارس أي تمييز على أساس السياسة أو الحدود أو المنزلة الدولية لأي بلد أو منطقة، ينتمي إليها أحد سواء كان مستقلاً، أو تحت وصاية، أو غير مستقلة، أو تابعة لأي سيادة.”

ويبرز المتحدثون في الاحتفال بهذا اليوم دور أوربا في خدمة الإنسانية كل عام، ودور الأمم المتحدة في صيانة حقوق الإنسان في المنابر الدولية، ولكن المتحدثين وهم ينوهون بهذه المنظمة، يغفلون واقع حياة الإنسان، ليس في الشرق وحده، بل يغفلون واقع حياة الإنسان في الغرب أيضاً، بل في أمريكا مقر الأمم المتحدة، فقد تولت أمريكا اليوم قيادة حركة قمع الحريات في العالم. وفي فرض سيادتها على العالم، بعنوان العولمة أو النظام العالمي الجديد، وأخيراً باسم مكافحة الإرهاب.

وإذا استعرضنا سجل الأحداث بعد التوقيع على اتفاقية حقوق الإنسان برزت أكداس خسائر حروب، من أنقاض وأشلاء، دفنت في المقابر الجماعية، وقصص التعذيب والتنكيل في سجون المتحضرين، وتشريد ملايين من أفراد الجنس البشري على أساس خلاف سياسي واقتصادي وعقدي.

ترتكب هذه الجرائم من إبادة الجنس البشري، وتعذيبه، وقتل الأبرياء، والتشريد، في ظل الحضارة الغربية، وفي عهد ميثاق حقوق الإنسان الذي يحتفل العالم به كل عام.

لقد ارتكبت في هذه الفترة مجازر في كثير من بقاع العالم ولم تنل هذه المجازر أي عطف من الموقعين على الميثاق، وعلى العكس واجهت جهود الإصلاح معاكسة من الدول الغربية الكبرى، ومؤامرة لإحباط المجهودات لإسعاف المنكوبين، والتعبير عن العطف على قضيتهم، واستخدمت الدول الكبرى في كل مناسبة وزنها بجانب المعتدين على حقوق الإنسان والمجرمين والمسئولين عن شقاء الإنسان.

آزرت الدول المتحضرة النظم الاستبدادية التي تمارس أبشع أنواع القمع لحقوق الإنسان بالأسلحة، والمعونات المالية في عهد حرية التعبير، وحرية العقيدة، وحرية العمل، وتفرض قيود في كثير من البلدان المتحضرة على التعليم الديني المغاير لدينها أو عقيدتها أو ثقافتها، وتمنع المحجبات من الاستفادة من فرص التعليم والعمل، وتجبر رعايا بعض البلدان على اتباع مناهج مستوردة، وتقوم وسائل الإعلام المتحضر بالطعن، والتشويه والتزوير للمذاهب والمعتقدات، ومناهج الحياة لشعوب ذات عقيدة خاصة ونهج خاص للحياة، وتقوم بلدان راقية بالاعتداء على بلدان ضعيفة، وتفرض عليها عقوبات، لأنها رفضت الخضوع لها، وقبول ما تمليه عليها، وتغض بصرها عن الاعتداءات والمخالفات السافرة لحقوق الإنسان في البلدان التي لا ترضى عنها، وتتفق معها مصالحها السياسية.

لقد كانت حرية التعبير وحرية العقيدة الضحية الكبرى في هذا العصر، فلا يوجد بلد يتمتع بحرية كاملة في التعبير، وصار تكميم الأفواه ظاهرة هذا العصر.

إن إٍسرائيل تريد العودة إلى وضع آلاف سنة ماضية وتريد استعادة الأراضي التي كان يملكها أجدادها اليهود في عصور التاريخ الغابر، وتقوم بإحياء اللغة العبرية الميتة، وأسماء الأماكن القديمة، وتسكن الأجانب، وتشرد المواطنين، وأكثر من ذلك أنها فرضت الحصار على منطقة كثيرة السكان، الذي يسبب تجويعهم، وتمنع محاولات إغاثتهم وإسعافهم، وتستمر فيها الهجمات على المعابد، والاستيلاء على المساكن، وتهدد السكان بالإبادة التامة، وفي مثل هذه الإجراءات التي تتنافى مع القيم الإنسانية، وقرارات الأمم المتحدة تنال دعماً من الدول الكبرى، وخاصة أمريكا التي يقع فيها مقر الأمم المتحدة.

لقد كان البند الأول لميثاق الأمم المتحدة وميثاق حقوق الإنسان يدعو إلى حل المشكلات بالتفاوض، ونبذ استخدام القوة، لكن استخدام القوة أصبح أمراً عادياً، ويكاد عهد الاستعمار العسكري والثقافي يعود إلى العالم بأبشع مظاهره، فقد دمرت عدة بلدان، وشرد ملايين من الناس، وقتلوا لاختلاف في العقيدة والسياسة، وتملأ السجون التي تمارس فيها أبشع وسائل التعذيب في كثير من البلدان، ولا ترتفع أصوات للتنديد، ويبرر مرتكبو هذه الاعتداءات وعمليات تعذيب الأسرى علناً، ولا تتحرك منظمة الأمم المتحدة، ولا الضمير الإنساني العالمي.

نشرت الدول الأوربية شبكات التبشير في العالم، وأغدقت عليها من وسائلها المتوفرة، واستغلت مواضع الشقاء للدعوة والتبشير، ويعلن البابا نواياه بتغيير انتماء مناطق شاسعة إلى دينها وثقافتها، وتوزع دروس الكتاب المقدس في الأماكن الإسلامية، حتى في المساجد والمدارس حتى السيارات الواقفة، وتنال محاولات الإساءة إلى الإسلام كل تشجيع علناً من قادة البلدان الأوربية خرقا لميثاق حقوق الإنسان، ولا يعتبر ذلك تزمتاً أو رجعية، ويعتبر قيام أي مجهود دعوي بين المسلمين رجعية وتخلفاً وإرهاباً.

إن هناك ملايين من البشر يعانون في ظل الحكومات المتحضرة باسم المذاهب والفلسفات والنظريات الفكرية والسياسة والاقتصادية وملايين منهم في السجون يلاقون التعذيب والإبادة والإهانة، ويعيشون حياة العبيد من السود والملونين وأتباع المذاهب المختلفة التي لا تعترف بها نظم الحكم، فلا ينالون حقوق العبادة، ولا يسمح لهم باتخاذ منهجهم المفضل حسب رغبتهم وذوقهم، يعيشون في ظلام وكتمان، وحرمان ونكران، وتفرض عليهم عادات ومناهج حياة مغايرة لهم، لا تتطابق مع طبيعتهم وفكرهم، لكن هذه الشعوب لا تجد من يعطف عليها ويتقدم لإخراجها من بؤسها وشقائها إذا كانت تختلف في العقيدة والعنصر.

كان السبب الرئيسي لتأسيس الأمم المتحدة تجنب الحرب التي كلفت أوربا وأمريكا والعالم كله خسائر هائلة مذهلة في الأرواح والممتلكات، وملئت الأرض بالمدافن، وأحرقت الأرض بالقنابل المحرقة، ولا تزال آثار هذه الحرب ملحوظة في الأماكن التي جرت فيها المعارك، وأنهكت أكابر مجرمي الحرب، وبسبب هذه الخسائر اضطرت الدول الاستعمارية الكبرى التي أشعلت نيران الحرب إلى الخروج من مستعمراتها عسكرياً، ويدل على سبب تأسيس هذه المنظمة تمهيد لائحة المنظمة، ولكن تاريخ أوربا يدل على أن الحرب هي هوايتها، وفي طبيعتها القسوة والبطش، لذلك اتخذت أوربا طريقاً جديداً وهو تجنب الحرب بينها، كما حدث في الحرب الكونية الأولى والحرب الثانية، وفي عهد غلبة فرنسا، وهذا الطريق الجديد هو اتخاذ وسائل وإجراءات ومؤامرات لإشعال الحرب في المناطق الأخرى في العالم، وهذا هو واقع العالم، فلم تنته الحروب، بل استمرت المعارك الطاحنة، وشقاء الإنسان، ولكن في الدول غير الأوربية، وتتدخل الدول الأوربية بواسطة منظمة الأمم المتحدة، فأصبحت هذه المنظمة أداة لتحقيق مصالح الدول الكبرى، وإتاحتها فرصة للتدخل وحل المشاكل حسب مصالحها السياسية.

لقد كان من واجب الموقعين على ميثاق حقوق الإنسان أن يصرفوا جل اهتمامهم وقوتهم المادية إلى إعادة هذه الحقوق المسلوبة، وان يحاربوا كل نظام يعتدي على الإنسان ويسلب حقوقه، وكان من واجب الموقعين على ميثاق حقوق الإنسان أن يتقدموا لإغاثة المنكوبين مهما كان دينهم أو عنصر هم، سواء كانوا في أفغانستان أو الصومال، وإغاثة فلسطين، وإغاثة الملهوفين في كثير من المناطق الآسيوية والإفريقية والأوربية، وأن يخمدوا نيران العصبيات الإقليمية والمذهبية والعنصرية والجنسية التي تلتهم الإنسانية كلها في مختلف بقاع العالم، وفي عقر دار الحضارة، ومهد ميثاق حقوق الإنسان.

ولكن تقف في وجه هذه المحاولات المصالحُ والعصبيات فلا يتحرك ضمير العالم الإنساني، وتمر المجازر البشرية كأنها مسرحيات أو روايات دامية لعصر أو أمة، لا تجمعها صلة الزمان، ولا القرابة، فتأتي مناسبة التوقيع على حقوق الإنسان كل عام، ولكن القلوب والضمائر لا تتحرك ولا تهتز ولا تجدد العزم على تطبيق الحقوق وتحرير الإنسان، وإنما تتحرك الأيدي لشرب الكؤوس تخليداً لهذه الذكرى، وتنطلق الألسن للتنويه بذلك اليوم العظيم، والتطبيل لدور أوربا في تحرير الإنسان ولو في ميثاق الأمم المتحدة، وأما الإنسان اليوم فيعيش في قيوده وفي كلومه، كما كان يعيش في عهود الظلام والاستبداد الغابرة.

×