منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (9)

عاصفتان في دلهي (2/الأخيرة)
17 جولائی, 2022
منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (10)
21 اگست, 2022

منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (9)

الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي

التعريب: محمد خالد الباندوي الندوي

كان الشيخ يرى من الأجدر والأنفع للأمة المسلمة الهندية أن يكون في كل من الأحزاب السياسية ممثلون سياسيون يعملون لصالح المسلمين بإخلاص وجدية، ويقومون بإرشاد قادة الأحزاب السياسية كلما مست الحاجة إليه، إلا أنه كان يكره لهولاء الممثلين انضمامهم بحزب من الأحزاب انضماما يقطع حبلهم عن غيره ويحدث في الأوساط السياسية العداوة والشحناء.

وكان الشيخ الندوي يرى أن تكون وظيفة التوجيه في الحقل السياسي بحكمة بحيث لا يستشعرها أحد، كما يجب التزام شيمة العطاء والجود التى هي من الخلق الإسلامي، ويجب كذلك ترشيد القادة والزعماء إلى ما يعزز كيان البلاد ويصبّ في صالح الوطن والإنسانية، السعي لإثبات جدارتهم في المجال السياسي لكي يشعر قادة الأحزاب السياسية بمسؤوليتهم نحو حفاظ المسلمين وصيانتهم والتقدم بهم في مختلف مجالات الحياة ويرى ذلك لزاما عليهم في إبقاء سلامة البلاد وبقائها.

إقامة الدين الإسلامي مربوط بالحكمة:

أفاض الشيخ الندوي في الحديث عن طريق إقامة الدين الإسلامي في المجتمع والكون، وبين موقفه بصراحة: لا بد في محاولة إقامة الدين من مراعاة الفرق بين الوسائل والغايات، إذ إقامة الدين مقصود بالذات وإقامة الحكومة الإسلامية ليست مقصودة بذاتها، وإنما هي وسيلة هامة للتوصل إلى تلك الغاية النبيلة، ويقتضي ذلك إصلاح القلوب والأفكار بدلا من الأفراد والجماعات، يقول الشيخ الندوي:

محاولات إقامة الدين مقرونة دائمًا بمراعاة الحكمة وفقه الدين:

لكن هذا الركن – أعنى محاولة تمكين الإسلام وجعله قوة حاكمة، لها الأمر والنهي – من أركان "إقامة الدين” ليس كقالب حديدي لا نعومة فيه ولا مرونة، ولا يمكنه أن يتوسع في أي حال من الأحوال، فالذين نثق بإخلاصهم، ورسوخهم في العلم، وتفقهم في الدين، وتشهد لهم بذلك صفحات ناصعة في التاريخ، ودلائل وشواهد لامعة في صفحات الكون، ونعلم أنهم لم يكونوا من أهل "الرخصة” بل كانوا من رجال "العزيمة” فلابد أن نعترف بأنهم لم يتخذوا من وسائل هذا العمل العظيم ومناهج يعيشونها، ولم يألوا جهدًا فيما كانوا يستطيعونه، لأن المقصود هو النتيجة لا الوسيلة، والبناء لا الهدم، والإيجاب لا السلب، وكيف يسوغ لعاقل أن يقول: أن هؤلاء المصلحين المجاهدين كان واجبًا عليهم على كل حال أن يضعوا كل جهودهم في هدم الأبنية – التي فسدت بعض أجزائها، أو أسيء استخدامها – ويستهلكوا في ذلك إمكانياتهم وفرصة عمرهم، ولا يدعوها حتى يحولوها أنقاضًا، سواءًا وجدوا فرصة إعادة بنائها أو لم يجدوها، فإن وقفوا من الحكومات الإسلامية المحكمة التي كان حكامها والمسئولون عنها يتلفظون بكلمة الإسلام ويعملون بكثير من فرائضه وشعائره، ويملكون وسائل وإمكانيات لا يملكها غيرهم، موقف الإصلاح والنصح، والتفهيم والإيضاح، دون المعارضة الكلية، واستخدموا مبدأ "الإمالة” دون "الإزالة” لا يجوز لنا أن نرميهم بالإهمال الكلي في القيام بهذه الشعبة من شعب "إقامة الدين” وباقتراف "التعاون على الإثم والعدوان”.

وكذلك لا يجوز لنا أن نتهمهم بالتقصير في أداء هذا الواجب، لو ركزوا عنايتهم، وما أوتوا من المواهب العلمية والخطابية والكتابية، وما يتمتعون به من المؤهلات الروحانية والقوة الإيمانية، على تحويل اتجاه المجتمع من الجاهلية إلى الإسلام، ومن عبادة النفس والمادة إلى عبادة الله وحده، ومن حران العصيان والإباء والطغيان، إلى الطاعة والانقياد، حيث أن المجتمع الإسلامي الفاضل الأصيل هو التربة المعبدة الصلبة التي تتحمل أثقل عبء، وأضخم بناء، وتقبل القيادة الصالحة، وبجانب ذلك ظلوا على اتصال دائم بمركز القيادة والإدارة، وبلاط الحكومة، وقدموا إلى رجال الحكومة قوانين شرعية مدونة، لكي يأخذوا بها في النظام المالي والقضائي والإداري، وسخروا الحكام المعاصرين بقوة أخلاقهم وإيمانهم وروحانيتهم وإخلاصهم ونصحهم، فمنعوهم أحيانًا كثيرة عن الخطوات التي تلحق الضرر بالإسلام والمسلمين، وأخضعوهم بهذه القوة الغلابة لإجراء القوانين الشرعية والحدود الإلهية، ووقفوا بهم في وجه القوى المحاربة للإسلام، فكانوا سببًا مباشرًا في توسيع حدود الدولة الإسلامية، والجهاد في سبيل الله، ووفروا للحكومة رجالاً أمناء أوفياء أكفاء ربوهم في أحضانهم أعوامًا طوالاً، وربما كانوا واسطة في تحول زمام الحكومة والقيادة من الملحدين إلى المتدينين، من المحاربين للإسلام إلى المحافظين على الإسلام، من الماحين للدين إلى الحامين للدين، فلابد أن نعترف لهم بالفضل، ونعتبرهم حاملي لواء السعي في سبيل إقامة الدين، وجنود الإصلاح والإحياء والتجديد الأوفياء، ولا يحق لنا أن نسقطهم من الحساب، ونخرجهم من القائمة، ونرميهم بالتقصير في المسئولية، بمجرد أنهم لم ينجحوا في تأسيس حكومة إلهية مثالية”.

تغيير الأفكار لا تغيير الأجسام

توصل الشيخ الندوي بدراسته المتقنة لحياة الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم وصحابته الغر الميامين ودراسة التاريخ الإسلامي إلى نتيجة أن نشر المبادئ والثوابت الإسلامية أمر لا محيص عنه، كما أنه يجب على المسلمين إبلاغ رسالة الخالق إلى خلقه، ومحاولة تغيير الأفكار والاذهان إلى ما هو أحسن وأصلح، إذ الدعوة الإسلامية لا تهدف إلى الإطاحة بعرش أحد، وإحلال آخر مكانه، وإنما مقصود الدعوة الإسلامية هو زرع المفاهيم الدينية وحب الثقافة الإسلامية في الأفكار وصوغها في بوتقة الإيمان واليقين، ويفتقر ذلك إلى ركائز متينة للدعوة نبعت من منبع القرآن الكريم ومنهجه الأصيل واستنارت بأسوة محمد صلى الله عليه وسلم وخلقه الطاهر النزيه.