ليس الجمال وحده ما يزيننا

في ظل: “الأم العلمية” مرة أخرى (3/الأخيرة)
5 أكتوبر, 2021
خاطرة رمضانية
4 أبريل, 2023

ليس الجمال وحده ما يزيننا

محمد حمزة خان الندوي

ما أقرب إلى الصواب قولَ عمرو ابن معدي كرب:

ليس الجمال بمئزر

فاعلم وإن رديت بردا

إن الجمال معادن

ومناقب أورثن مجدا

من الملاحظ أن هناك مقاييس عديدة لدى الناس يقيسون بها مكانة المرء في المجتمع الذي يعيشون فيه، فبعضهم يحسبون مكانته سامقة الذرى إذا تحدَّر من أسرة عريقة في الأصل، وبعضهم ينبهرون لرؤيته إذا امتلك ناصية البيان، وبعضهم يعدون تمسكه بأذيال ذوي المكانة المرموقة سببا في ذيوع صيته بين أقرانه، وعدد منهم يرفعون مكانة من يتظاهر بتدين شديد، وكثير منهم يُكبرون من تكدست لديه ثروات ضخمة، ويؤسفني القول بأن هناك لفيفا منهم يعتبرون وسامة الوجه وإشراقه عاملا كبيرا في علو منزلته.

فإذا ظهر لهم أحد أضفى الله عليه جمالا ساحرا، اعتبروا صاحبه أظفرَ من أنفسهم بترف الحياة، وأكثرَ تقلبا في أعطاف النعيم، وتململوا حزنا على ما لم يكن من قدرهم من جمال الوجه وملاحته، فبدؤوا ينظرون إليه نظرةَ من عثر به حظه، وساء له نصيبه من ألوان الملذات وأشكال المسرات، ويتهافتون – رغما منهم – على كل كلمة صدرت من لسانه، ويُلقون إليه آذانهم إذا بدأ في الحديث وإن كان تافها.

وأما من ابتلاه الله تعالى بدمامة الوجه وقبح المنظر، فينفرون منه نفور الرجل من الجذام، ويطلقون عليه ضحكات عالية ساخرة إذا جلس يتحدث إليهم، ويضربون عرضَ الحائط بكل ما يتفوه به، وإن كان يُعجب العقلَ غاية الإعجاب، وينسون أو يتناسون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رب أغبر أشعث لو أقسم على الله لأبرَّه”.

فالناس بحكم طبيعتهم أو سفالتهم أو جهالتهم أو شعورهم بنقص الذات، يعاملون غيرهم معاملة حسنة إذا تحلى بثوب الجمال، ومعاملةً بغيضةً إذا غشِيه رداءُ الدمامة والقبح، ولكن السبب الأكبر في ذلك هو أنهم لم يعوِّدوا أنفسهم أن يتأملوا ما تنطوي عليه سرائره من كريم الشمائل أو قبيح الخصال، فيجعلوا ذلك مقياسا عادلا يقيسون به الأمور.

وليس من شك في أن جمال الوجه هو من أكبر نعم الله علي الإنسان، ولكن لا يؤخذ من ذلك أن من حُرِم هذه النعمةَ قد قدّر الله له التعاسة، وقضى عليه الشقاء، فهناك العديد ممن كانوا ذوي المنظر البشع والوجه الدميم قد قاموا بمكرمات تفوق منتهى الخيال، وخير شاهد على ذلك هو شخصية الجاحظ، وبالعكس من ذلك أن هناك العديد أيضا ممن تمتعوا بحسن المنظر ووسامة الوجه كانوا أضعفَ من أن يقوموا بعمل يستلفت الأنظار ويستجلب الثناء عليه.

فالعبرة مما سبق أن نجعل نصبَ أعيننا جمالَ الباطن إذا توخَّينا الفضيلة في الإنسان، فإن ذلك هو الشئ الوحيد الذي ينهض يه الإنسان من الحضيض، ويرتفع إلى عنان السماء، وأما من يُنغِّص داخله بمنغِّصات، ولا يُطهِّره من الأدناس، فمن الممكن جدا أن يسقط عن العيون سقطةً لا قيام له من بعدها، إلا إذا قرر أن يتحرك بخطى تدريجية على طريق الوصول إلى الفضيلة، ويتجهَ من تنميق الظاهر إلى بناء الباطن، وكل هذا يظهر بجلاء في شعر سموأل بن عادياء:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه

فكل رداء يرتديه جميل

وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها

فليس إلى حسن الثناء سبيل

ولا أدل على ذلك من الحديث النبوي بعد القرآن الكريم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.

وأما القرآن فقد أكد على تركيز الاهتمام على تزكية القلوب وتهذيب النفوس، فقد قال الله تعالى: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور}. وقال: {يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر}.

وبهذه المناسبة أود أن أنقل إليكم قصة مأثورة تكشف لكم القناع عن وجه حقيقة الظاهر والباطن.

ذات مرة أمر ملك ذو صلاح وتقى خادمه بإحضار صندوقين، فجاء بهما الخادم ووضعهما أمام أنظار الجميع، وكان أحد الصندوقين مصنوعا من الذهب والأحجار الكريمة، والآخر مصنوعا من خشب الأشجار العادية. سأل الملك جميع الحاضرين: أي الصندوقين أثمن؟ فأجاب الجميع: الصندوق المصنوع من الذهب واللؤلؤ والياقوت أثمن بكثير من الصندوق المصنوع من خشب الأشجار، ولا توجد نسبة بين ثمن الصندوقين. وبعد أن سمع الملك جوابهم، أمر أحد خدامه أن يفتح صندوق الخشب، وما إن فتحه حتى فاحت منه رائحة المسك والعنبر والعطور الطيبه، ونظر الحاضرون إلى داخل الصندوق فوجدوه مملوءا بالأحجار الكريمة والمجوهرات، فتعجَّبَ الجميع. ثم أمر الملك بفتح الصندوق المصنوع من الذهب، فخرجت منه رائحة كريهة، وكان مملوءا بالقاذورات، فتأذى الجميع من رائحتها.

ثم قال الملك الصالح: إن المؤمن كصندوق الخشب لا يعطيه الجاهل ثمنا، لأنه يجهل ما في صدره وعقله من حكمة وصلاح وخير للناس والدنيا، وصاحبُ الجاه والمال والجمال مثله كمثل صندوق الذهب الذي يعجبك منظره، ولكن صدره ورأسه مملوآن بأمثال هذه القاذورات والروائح الكريهة.

×