كرامة الإنسان وسموه

الشعوب تنسى كما ينسى الطفل!
6 يونيو, 2024

كرامة الإنسان وسموه

محمد واضح رشيد الحسني الندوي

لقد كان ثمن شهوة فرد واحد وهوى شخص واحد قبل بعثته صلى الله عليه وسلم أكبر وأغنى من أرواح الآلاف ومئات الآلاف من البشر، ينهض ملك واحد، وإمبراطور واحد، فيكتسح البلاد ويستعبد العباد، ويهلك الحرث والنسل، ويأتي على الأخضر واليابس، لإشباع أنانية ملكية، أو طموح سياسي، يزحف الاسكندر المقدوني الكبير (Alexander the great) 356ـ324 ق م) ويفتح إيران، وسوريا، والبلاد الساحلية، ومصر، ومعظم تركستان، حتى يبلغ الهند الشمالية، ويدمر في طريقه حضارات، ومدنيات عتيقة راقية، وينهض يوليوس قيصر الرومي (Julius Cacsar) (م 44 ق م) والغزاة الفاتحون والقادة العسكريون مثل إينبال القرطاجي (Hanibal) (247ـ183 ق م)  فيقتنصون الفئات البشرية كما يقتنص الصياد النهم بالقنص حيوان الغابة من غير اكتراث، واستمرت عملية الإبادة والعبث بكرامة الإنسان وحياته بعد ظهور المسيح عليه السلام، وكان من هؤلاء الفاتكين بالبشرية والقساة الظالمين نيرون (Neron)  (م 68 م) الذي فتك بمجموعة كبيرة من مواطنيه، من جملتهم أمه وزوجه، وهو الذي   يعتبر مسؤولاً  عن الحريق الكبير الذي وقع في روما، وكانت العاصمة تشتعل ناراً وهو مشغول بالغناء والموسيقي.

أما القبائل الأوربية الوحشية من القوط الغربيين والشرقيين ووندال وغيرها التي نشطت في القرن الخامس المسيحي (قبل البعثة المحمدية بقرن) والتي كانت تدمر العواصم الكبيرة  العامرة وتعيث في الأرض فساداً، وتنشر الذعر، والاضطراب، فعن البحر حدث ولاحرج.

وسرح طرفك  في تاريخ رومة التي تغنت أوربا ـ وما تزال ـ بفتوحها وبطولاتها، وأمجادها وتشريعها وحضارتها، تجد نموذجاً حياً للقسوة البشرية التي بلغت قمتها في هذا العصر، كما كتب” ليكي” في كتابه “تاريخ أخلاق أوربا” يصور جانباً من همجية الإنسان وضراوته، ووحشيته النادرة.

لقد أعاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى الإنسانية كرامتها وشرفها، ورد إليها اعتبارها وقيمتها، وأعلن:” أن الإنسان أعز وجود في هذا الكون، وأغلى جوهر في هذا العالم، وليس هنا شيء أشرف، وأكرم، وأجدر بالحب، وأحق بالحفاظ عليه من هذا الإنسان، إنه رفع مكانته حتى صار الإنسان خليفة الله ونائبه، خُلق له العالم، وهو خُلق لله وحده “هو الذي خلق لكم ما في الأرض حميعاً” (البقرة: 29) وأنه أشرف خلق الله وفي مكان الرياسة والصدارة ” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً” (الإسراء: 70).

وليس أدل على كرامته والاعتراف بعظمته من قوله: “الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله” (رواه البيهقي).

هذا النبي الكريم ، نبي الرحمة، والعفو والصفح، معلم الأخلاق، ومتمم مكارم الأخلاق، الذي علم الإنسان كرامته، واحترام كرامته، وشرفه واحترام شرفه، حتى في أشد أوقات المحنة والعداء والظلم، يصفه الغربيون بالعنف، فأي جهالة أكبر من هذه الجهالة؟، وأي ظلم أكبر من هذا الظلم؟، وأي حقد أكبر من هذا الحقد؟، وأي نكران الجميل أكبر من هذا النكران والجحود

×