أمة الهداية والدعوة

أمم الشرق اليوم قد أصبحت غير معتنية
13 ستمبر, 2020
الإنسان مشتملاً على احتياجاته في حياته الدنيا
9 نومبر, 2020

أمة الهداية والدعوة

لقـد كان النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في هذا العالم قبل أربعة عشر قرناً في وقت كان الإنسان فيه أسوأ حالاً مما فيه الإنسان اليوم، فقد كان القويُّ فيه يقوم بالظلم والاعتداء على الضعيف وبخس حقوقه وإذلاله علنًا وجهارًا، وكان يعدُّ ذلك من حقه، وكان الإنسان الأعلى وضعاً في بيئته يعامل الأدنى وضعاً كما تُعَامل البهيمة التي تستخدم لمصالح الإنسان بدون رعاية بما تحتاج إليه من رفق، وكانت لا ترحم إذا لم يكن فيها جدوى للإنسان الذي يملكها، وكان العبد من الناس يحرق بالنار ليبتهج بذلك المنظر المؤلم الضيف المكرم في مأدبة يدعو إليها القويُّ الغنيُّ أصدقاءه ورفاقه، وكان الإنسان قد اتخذ لنفسه آلهة كثيرة يعبدها من دون الله، وكان يقوم بأنواع الضلالات والإباحية والكفر، فأرادت رحمة الله أن تعود إلى الإنسانية كرامتها لكل إنسان، وأن تعود إلى الهداية، أيا ما كان لونه، أوعنصره، أو وضعه الاقتصادي.

فبعث الله النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ليقوم بالدعوة إلى توحيد الإله، وإلى اختيار المعاني الإنسانية الكريمة، وأن يكون الإنسان رغم جميع فوارقه إنسانًا كريمًا بين المخلوقات الأخرى، ويكون حرًّا بين بني جلدته، وعبدًا لله خالقه وإلهه الواحد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الحق، وإلى اجتناب جميع ألوان الجهالة والضلال والظلم والاعتداء على الإنسان، حتى من الظلم على الحيوان والبهيمة كذلك، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بنصرة المظلوم، ورعاية الضعيف، ومساعدة الفقير، وسعى لهداية الإنسان لإنقاذه من الويلات والاعتداءات التي كانت عامةً منتشرة حتى في المجتمعات المتحضرة، والطوائف الإنسانية الراقية، ونادى بقولته المدوية المجلجلة:”كلكم من آدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى” [كنز العمال].

قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته في هذه الدعوة وفي تربية الناس على مبدأ العبادة للإله الواحد واختيار التقوى في حياته، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعد حياته مسئولية الدعوة إلى هداية الناس إلى الحق، والعمل للمعروف، واختيار التقوى في السيرة والمعاملات، ميراثاً لمن جاء بعده من المسلمين، وجعل المسلمين مسئولين عن العمل في هذا المجال باختلاف الأزمان والبلدان، ولكن الذي يؤسف له أن المسلمين تركوا أداء حق هذه المسئولية، بل أصبحوا كغيرهم ممّن لا يؤمنون بهذه القيم الإنسانية الرشيدة، والسلوك على طريق الحق، ولا يمكن أن يعود العالم إلى الإنسانية الفاضلة إلا بالسير على الطريق الإسلامي الرشيد.

فإن الدعوة إلى ذلك وبذل الجهد له مسئولية المسلمين وواجبهم، فعليهم أن ينقذوا بيئاتهم وأوساطهم من الفساد المتفشي، والضلال المغوي فيها، وذلك بأن يصبحوا هم أنفسهم أولاً نماذج الخير، وأمثلة الفضيلة والإنسانية الكريمة متبعين لأوامر رسولهم العظيم صلى الله عليه وسلم، وأن يدعوا الآخرين عن طريق نماذج حياتهم هذه الشريفة إلى السير على الطريق السوي، وبغير ذلك لا يمكن أن نغيّر الوضع المخزي لإنسان اليوم.

فإننا بحاجة إلى القيام بواجبنا نحو العمل بأنفسنا أولاً بالقيم الفاضلة، ثم الدعوة إليها، فنحن مسئولون عن ذلك، لكوننا أمة الدعوة أمة الرقابة للبشر أجمعين عملاً بما جاء من عند الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد: }وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس{ [البقرة:143]، و}كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله{ [آل عمران:110].

(محمد الرابع الحسني الندوي)