كتاب “تاريخنا المفترى عليه”

شرح العقائد للعلامة التفتازاني
18 يناير, 2026
شرح العقائد للعلامة التفتازاني
18 يناير, 2026

كتاب “تاريخنا المفترى عليه”

محمد إبراهيم الندوي
إن العلّامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله من أبرز مفكري الإسلام وفقهائه في العصر الحديث، يُعتبر كتابه «تاريخنا المفترى عليه» من أهم كتبه الفكرية، إذ كُتب في وقت كانت فيه الأسئلة والشكوك تثار حول تاريخ الإسلام وحضارته، خاصة في أوساط المتعلمين والمثقفين،ظهر هذا الكتاب نتيجة حوار دار بين الشيخ القرضاوي وعدد من الدكاترة العرب في مصر، حيث طُرحت تساؤلات حول التاريخ الإسلامي، وقد شعر القرضاوي بخطورة هذه الأسئلة، لأنها خرجت من أبناء الأمة أنفسهم، لذلك رأى بأن الرد على تلك الشبهات، والدفاع عن التاريخ الإسلامي بأسلوب علمي متزن مقنع أمر مهم من مهمات هذا العصر.
ينطلق القرضاوي من فكرة أن التاريخ الإسلامي تعرّض لتشويه متعمّد، وأن هذا التشويه جاء من اتجاهين مختلفين، الاتجاه الأول يتمثل في التيار العلماني والاستشراقي الذي يصوّر التاريخ الإسلامي على أنه تاريخ مليء بالاستبداد والانحراف، وغير صالح للاحتجاج أو الاقتداء، بهدف قطع صلة المسلمين بماضيهم المشرق ودفعهم إلى تقليد الحضارة الغربية. أمّا الاتجاه الثاني فهو بعض المفكرين والدعاة المسلمين الذين اندفعوا بدافع الغيرة الدينية إلى نقد التاريخ الإسلامي نقدًا شديدًا، حتى انتهى بهم الأمر – من غير قصد – إلى تأكيد كثير من أفكار التيار العلماني، ويتخذ الشيخ القرضاوي موقفًا واضحًا ضد هذين الاتجاهين، مؤكدًا أن المنهج الصحيح في دراسة التاريخ الإسلامي يجب أن يقوم على العدل والإنصاف، لا على التقديس المطلق ولا على الرفض الكامل.
إن الخطاب العلماني الذي تأثر إلى حدّ كبير بكتابات المستشرقين، يقوم على فكرة أن الإسلام الحقيقي ونظامه السياسي لم يتحقق إلا في فترة قصيرة جدًا من التاريخ، هي فترة الخلافة الراشدة، وبصورة أخص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أمّا ما جاء بعد ذلك، فيُصوَّر حسب هذا الاتجاه على أنه تاريخ طويل من الانحراف عن الشريعة، والاستبداد السياسي، وتحويل الخلافة إلى ملكٍ عضوض لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحضارة الإسلامية فقدت روحها بعد ذلك العصر المبكر، وأن الشريعة لم تعد مطبقة، وأن التاريخ الإسلامي لم يكن سوى صراع على السلطة، لا يحمل نموذجًا صالحًا للاقتداء في العصر الحديث، فيشير القرضاوي إلى أن هذا الطرح ليس جديدًا، بل يمكن العثور على جذوره في كتابات الأديب المصري خالد محمد خالد في مرحلته الفكرية الأولى، ولا سيما كتابه الشهير “من هنا نبدأ”، حيث قدّم فيه أن النموذج الإسلامي المثالي اقتصر على عهدٍ محدود، وأن بقية التاريخ الإسلامي امتلأ بالصراعات والفتن، بل ذهب في بعض مواضع كتابه إلى الإيحاء بأن عهد الخليفة عمر رضي الله عنه كان الاستثناء الوحيد، في حين أن بقية عهود الخلفاء لم تسلم من الاضطراب والانقسام، رغم أن خالد محمد خالد تراجع عن كثير من هذه الآراء، وكتب مؤلفات أخرى مثل «الدولة في الإسلام» صحّح فيها مواقفه السابقة، غير أن الخطاب العلماني تجاهل هذا التراجع، وتمسّك بالآراء الأولى، واستعملها لتكريس صورة سلبية عن الحضارة الإسلامية ومسارها التاريخي.
لكن من الأسف الشديد أن الظلم الذي لحق بالتاريخ الإسلامي لم يأتِ من التيار العلماني وحده، بل كان له وجهٌ آخر أكثر إيلامًا، تمثّل في بعض القراءات التي قدّمها عدد من المفكرين والدعاة المسلمين بدافع الغيرة على الدين والرغبة في الإصلاح، يؤكد القرضاوي منذ البداية أنه لا يشكّك في إخلاص نيات هؤلاء العلماء ولا في مكانتهم العلمية والفكرية، لكنه يرى أن منهجهم في التاريخ الإسلامي اتّسم أحيانًا بالشدّة والمبالغة، مما أدّى إلى نتائج غير مقصودة، ويتوقف باحترام وأدب عند آراء ثلاث شخصيات بارزة في الفكر الإسلامي المعاصر، وهم: أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، والشيخ محمد الغزالي (رحمهم الله أجمعين). ويرى أن هؤلاء المفكرين ركّزوا تركيزًا شديدًا على أخطاء الحكّام، والانحرافات السياسية، والمظاهر السلبية في التاريخ الإسلامي بعد عصر الخلافة الراشدة، حتى بدا في بعض كتاباتهم كأن الشريعة الإسلامية قد غابت تمامًا عن الحياة العامة، وكأن التاريخ الإسلامي بعد ذلك لم يكن إلا سلسلة من الانحرافات المتراكمة، وبهذا، استفاد خصوم الإسلام من هذه الطروحات، واستعملوها لتأكيد دعاواهم بأن التجربة الإسلامية التاريخية فاشلة وغير قابلة للاحتجاج، ففي مواجهة هذه القراءات المتشددة يؤكد أن حصر النموذج الإسلامي في عهدٍ واحد فقط، كعهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هو قراءة غير دقيقة، لأن كل خليفة راشد واجه ظروفًا وتحديات مختلفة، وأسهم بطريقته الخاصة في بناء الدولة الإسلامية وترسيخ مبادئها.
يقرر الشيخ القرضاوي أن المجتمع الإسلامي ظلّ قائمًا على الشريعة في بنيته القانونية والأخلاقية إلى أن جاء الاستعمار الحديث، يقول: “إن انحراف بعض الحكّام أو ظلمهم لا يعني سقوط الشريعة أو تعطّلها، لأن القانون السائد، والقضاء، والفتوى، والتعليم الديني، ظلّت جميعها تستمد مرجعيتها من الإسلام.” ويضرب مثالًا بارزًا بـعمر بن عبد العزيز، الذي يُعدّ شاهدًا حيًّا على قابلية الشريعة للتطبيق في كل زمان، ففي فترة حكمه القصيرة، ساد العدل، وانتشر الرخاء، فهذه التجربة تؤكد أن المشكلة لم تكن في الشريعة، بل في أخلاق الحكّام ونواياهم.
هكذا ردّ القرضاوي على الاتهام الشائع القائل بإن الدولة الأموية لم تكن إسلامية، بل كانت مجرد ملكٍ عربي؛ إذ يستند إلى الحديث النبوي الشريف: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، مؤكّدًا أن جزءًا كبيرًا من العصر الأموي داخل في هذه القرون المفضّلة، حيث عاش فيه عدد من الصحابة والتابعين، وكانت الشريعة مرجعيةً للمجتمع علمًا وتعليمًا وقضاءً وسلوكًا عامًا، كما يبيّن أن العصر الأموي لم يكن مجرد حكمٍ سياسي، بل مرحلةً من التوسّع الحضاري والعلمي، شهدت فتوحاتٍ واسعة، وترسيخًا لمؤسسات الدولة، وانتشارًا للغة العربية، وبداياتٍ تدوين العلوم الإسلامية، ومن الظلم في نظره تحديد هذا العصر في أخطاء بعض الحكّام أو مظاهر الاستبداد، وتجاهل ما قدّمه من خدمة للإسلام والمسلمين، ويمتد هذا الدفاع كذلك إلى العصر العباسي، الذي مثّل ذروة الازدهار العلمي والفكري في الحضارة الإسلامية، ففيه ازدهرت علوم الفقه، والتفسير، والحديث، واللغة، وظهرت المدارس الفقهية الكبرى، ونشطت حركة الترجمة، وتكوّن العقل الإسلامي في صورته الناضجة، ويرى القرضاوي أن وصف هذه العصور بأنها عصور “انحراف كامل” يتعارض مع الواقع التاريخي، وينمّ عن قراءة انتقائية للتاريخ.
في معرض ردّه على المفكرين الذين بالغوا في نقد التاريخ الإسلامي، احتجّ القرضاوي عليهم بأقوالهم أنفسهم، واستخرج من كتبهم الأخرى نصوصًا تثبت أنهم في مواضع أخرى قدّموا صورة أكثر توازنًا وإنصافًا للتجربة الإسلامية، ففيما يتعلّق بـ أبي الأعلى المودودي، يستشهد القرضاوي بنصوص من كتابه «تجديد وإحياء الدين»، حيث اعترف المودودي بأن الإسلام لم يختفِ من حياة المسلمين في عصور الملك، وأن تأثيره الأخلاقي والتربوي ظلّ حاضرًا في المجتمع، وأن عهود الخلافة الأولى تركت أثرًا عميقًا لم تستطع قرون الملك أن تمحوه بالكامل، ويؤكد المودودي نفسه أن كثيرًا من الحكّام، رغم انحرافهم السياسي، حافظوا على مظاهر دينية، وكان فيهم الصالح والتقي، أما سيد قطب، الذي عُرف بحدّة نقده للعصر الأموي في بعض مؤلفاته، فيشير القرضاوي إلى ما كتبه في مقدمة كتاب «مقومات التصور الإسلامي»، حيث يقرّ بأن راية الإسلام ظلّت مرفوعة لأكثر من ألف عام، وأن المجتمعات الإسلامية كانت تحتكم إلى الشريعة في شؤونها العامة، وأن القضاء الإسلامي ظلّ قائمًا، وأن الناس كانوا يرجعون إلى الفقهاء والعلماء في حياتهم اليومية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشيخ محمد الغزالي، الذي انتقد الاستبداد السياسي في التاريخ الإسلامي، ولا سيما في العصر الأموي، لكنه صرّح في مقابلات لاحقة بأن الحياة الدينية والعلمية في تلك العصور لم تتوقف، وأن الفقهاء والعلماء تمتعوا بهامش واسع من الاستقلال، وأن المجتمع ظلّ مرتبطًا بالإسلام في سلوكه العام، ويرى القرضاوي أن هذه الشهادات تثبت أن الصورة ليست سوداء كما صوّرها بعض النقّاد، وأن الواقع التاريخي أكثر تعقيدًا وتوازنًا.
ويخلص الشيخ القرضاوي من خلال هذا التحليل إلى أن المنهج الصحيح في دراسة التاريخ الإسلامي هو منهج العدل والتوازن. ويؤكد أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ بشر، فيه الصواب والخطأ، والنجاح والإخفاق، لكنه في مجموعه يمثّل تجربة حضارية عظيمة، فالقراءة العادلة للتاريخ تمنح الأمة وعيًا صحيًا بماضيها، وتمكّنها من بناء مستقبلها على أساس من الثقة والواقعية معًا، تتجلّى القيمة الكبرى لكتاب «تاريخنا المفترى عليه» في راهنيته وارتباطه الوثيق بواقع الأمة المعاصر، ولا سيما في زمنٍ يواجه فيه الشباب المسلم أسئلة عميقة تتعلّق بهويته، وتاريخه، وتراثه الحضاري. ففي ظلّ كثرة الشبهات، وتعدّد الخطابات المشكِّكة، يقدّم هذا الكتاب قراءة واعية ومتزنة للتاريخ الإسلامي، تعيد الثقة إلى النفس، وتحرّر العقل من عقدة الشعور بالنقص أمام الحضارات الأخرى. ويؤكد المؤلف أن المطلوب من المسلم المعاصر ليس الهروب من التاريخ، بل المطلوب هو فهم التاريخ فهمًا ناضجًا، يقوم على الاعتراف بالإنجازات كما يعترف بالأخطاء، وعلى التمييز بين الإسلام كنصٍّ ومبدأ، وبين المسلمين كتجربة بشرية قابلة للصواب والخطأ. وبهذا الفهم المتوازن، يستطيع المسلم أن يتعامل مع ماضيه بثقة، وأن يستفيد من دروسه في بناء حاضره ومستقبله.

* * *