مكانة العلم في الإسلام وأثره في نهضة الأمم
خليل أحمد الحسني الندوي
جعل الإسلام العلم أساسَ الهداية، وسببَ الرقي، وعمادَ القيادة والسيادة، ورفع أهله درجات، وجعلهم شهداء على أعظم حقيقة في الوجود، وهي توحيد الله تعالى. ولذلك جاءت آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم متضافرة في بيان شرف العلم، وعلو منزلة أهله، ووجوب طلبه، والعمل به، ونشره بين الناس.
ومن أوضح الآيات الدالة على أن العلم أساس القيادة والتمكين، قول الله تعالى:
“وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”.
كما قرن الله تعالى شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته، فقال:
“شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”.
وأثنى سبحانه على الراسخين في العلم، ووصفهم بكمال الإيمان، والمحافظة على العبادات، ووعدهم بالأجر العظيم، فقال:
“لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ… أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا”.
ومن أعظم ما يدل على فضل العلم أن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله الزيادة من شيء إلا من العلم، فقال:
“وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”.
فلم يؤمر أن يسأل الزيادة في المال، ولا الجاه، ولا السلطان، ولا القوة، وإنما أمر أن يسأل الزيادة في العلم؛ لأن العلم أصل كل خير، وسبيل كل فضيلة.
وقد بيَّن القرآن الكريم أن العلم هو الذي ميَّز آدم عليه السلام على الملائكة، حين علَّمه الله الأسماء كلها، ثم أمر الملائكة أن يخبروا بها فعجزوا، فقال سبحانه:
“وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا…”.
فكان العلم سبب تكريم الإنسان وتفضيله.
أما السنة النبوية، فقد جاءت مؤكدة لهذا المعنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء.»
والعلم الذي جاءت النصوص بالحث عليه يشمل جميع العلوم النافعة، سواء كانت شرعية أو دنيوية، إلا أن إطلاقه في النصوص الشرعية ينصرف ابتداءً إلى العلم الشرعي؛ لأنه أشرف العلوم، وأعلاها منزلة، وأقربها إلى الله تعالى، إذ هو العلم الذي يُعرف به الله، وتُعرف به أوامره ونواهيه، وتُعبد به العبادة الصحيحة.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه.»
وأما سائر العلوم النافعة، كالطب، والهندسة، والفلك، والرياضيات، والفيزياء، وسائر العلوم التي تقوم بها مصالح الناس، فإنها تكتسب شرفها بقدر ما تعين على معرفة الله، وخدمة عباده، وعمارة الأرض وفق مراده سبحانه. وقد أسهمت اكتشافات كثير من العلماء والباحثين في مختلف العلوم في هداية عدد من المفكرين والعلماء إلى الإسلام، حين رأوا ما في هذا الدين من انسجام مع الحقائق الكونية، ودقة في بيان سنن الله في الكون.
ولم يقتصر القرآن الكريم على الحث على طلب العلم، بل بيَّن الغاية التي ينبغي أن يثمرها، فقال تعالى: “مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ… وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ”.
فالغاية من العلم ليست كثرة المعلومات، ولا نيل الشهادات، وإنما أن يصير الإنسان ربانيًّا، عارفًا بربه، عاملًا بعلمه، داعيًا إليه، ومربيًا للناس على الهدى والخير.
ولو تأملنا في سير سلف هذه الأمة، لأدركنا المكانة العظيمة التي احتلها العلم في نفوسهم. فقد بذلوا في سبيله أعمارهم، وأنفقوا أموالهم، وتحملوا المشاق، وارتحلوا بين الأقطار، وصبروا على الغربة، وفارقوا الأهل والأوطان؛ ابتغاء علم ينفعهم وينفع الناس.
وانظر إلى أئمة الإسلام؛ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم من أئمة الهدى، كيف بقيت أسماؤهم خالدة عبر القرون، وكيف ظلت مؤلفاتهم مراجع للأمة، ينهل منها العلماء وطلاب العلم إلى يومنا هذا. وما كان ذلك إلا لأنهم جعلوا حياتهم وقفًا على العلم النافع، فأحياهم الله بعلمهم بعد موتهم، وبقي أثرهم حيًا في الأمة، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث… أو علم ينتفع به».
ومع أن المدارس والجامعات قد انتشرت في عصرنا، وكثرت الكتب، وتيسرت وسائل التعلم، فإن الأمة لا تزال بحاجة إلى علماء ربانيين يحملون لواء العلم، ويجمعون بين الفقه، والإخلاص، والعمل، والتربية، كما كان عليه سلف الأمة.
ولا يزال استرداد مكانة الأمة العلمية ممكنًا، إذا أخذنا بالأسباب الصحيحة، ومن أهمها:
أولًا: تعظيم العلم وإجلاله، فإن من استخف بالعلم حُرم بركته، ومن عظَّمه عظَّمه الله به. وقد رأينا كثيرًا من الأذكياء لم يتركوا أثرًا في العلم؛ لأنهم لم يؤدوا حقه، ولم يخلصوا في طلبه.
ثانيًا: ملازمة طلب العلم مدى الحياة، فلا يقنع الطالب بما حصل، ولا يظن أنه بلغ الغاية، فإن العلم بحر لا ساحل له. وقد قيل: “كلما ازددت علمًا، ازددت علمًا بجهلي.” وكان السلف يطلبون العلم حتى آخر لحظات حياتهم.
ثالثًا: إخلاص النية لله تعالى، وجعل الغاية من العلم العمل به، ونفع الخلق، وابتغاء وجه الله، لا الشهرة ولا الجاه ولا المناصب.
رابعًا: التحلي بالأخلاق التي تليق بأهل العلم؛ من التواضع، والصبر، والأمانة، وحسن الخلق، فإن العلم بلا خلق قد يكون وبالًا على صاحبه.
وختامًا، فإن العلم هو أساس نهضة الأمم، وسبب عزها، وسر بقائها، ولا سبيل إلى استعادة مجد الأمة وريادتها إلا بالعودة إلى المنهج الذي سار عليه أسلافها؛ منهج العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص لله تعالى. فإذا اجتمع العلم بالإيمان، والعمل بالإخلاص، عادت للأمة مكانتها، وقامت برسالتها في هداية الناس، وإقامة الحق، وعمارة الأرض بما يرضي الله عز وجل.

