المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم

شهر ربيع الأول
7 سبتمبر, 2026
شهر ربيع الأول
7 سبتمبر, 2026

المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم

خليل أحمد الحسني الندوي

في العدد السابق، تحدثت عن شهر ربيع الأول، وبينت ما لهذا الشهر المبارك من فضيلة ومكانة في قلوب المسلمين، لارتباطه بمولد خير البرية، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أشرقت بمولده أنوار الهداية، وأخرج الله به البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والرشاد، وقد ذكرت ما ينبغي لنا أن نقوم به تجاه هذا الشهر المبارك، وما يقتضيه من استذكار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهديه، والتأسّي بأخلاقه وبأسوته.
غير أن الإيمان ليس أن نؤدي بعض العبادات أو نلتزم ببعض الطاعات في وقت معين أو في شهر مخصوص، ثم إذا انقضى ذلك الوقت أو انتهى ذلك الشهر عدنا إلى ما كنا عليه من قبل؛ فالإيمان الحق يقتضي منا أن ندخل في الإسلام كافة، وأن نلتزم بأحكامه وتعاليمه في جميع شؤون حياتنا، كما قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً”.
ولا ينبغي لهذا الالتزام أن يكون مرتبطًا بمكان دون مكان، أو بزمان دون زمان، أو بشهر دون شهر؛ فلا يليق بالمسلم أن يكون مؤمنًا صادقًا داخل المسجد، فإذا خرج منه سلك سلوكًا مخالفًا لمقتضيات الإيمان وتعاليم الإسلام، ولا أن يكون في شهر رمضان أو ربيع الأول من أهل الطاعة والعبادة، فإذا انقضى الشهر رجع إلى ما كان عليه من الغفلة والتقصير، وعاد إلى أعمال وممارسات تخالف الدين والشرع في سائر الشهور.
فالإيمان الحق ليس حالة مؤقتة تزول بزوال موسمها، ولا طاعة موسمية تنتهي بانتهاء وقتها، وإنما هو منهج حياة دائم، يرافق المسلم في كل زمان ومكان، ويظهر أثره في عقيدته وعبادته ومعاملاته وأخلاقه وسلوكه.
وإن مأساة المسلمين الكبرى في عصرنا أن كثيرا منهم لا يعرفون الالتزام بأحكام الله تعالى إلا في مواسم الطاعات، فيحرصون على أوامره، ويجتنبون نواهيه في شهر رمضان المبارك، فإذا انقضى الشهر، انقضت معه تلك العزيمة، وعاد كثير منهم إلى ما كانوا عليه من قبل، وكأن طاعة الله تعالى عبادة موسمية، تنتهي بانتهاء موسمها.
وكذلك أن كثيرًا منا يظهرون حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم،ويبدون استعدادهم للتضحية في سبيله في شهر ربيع الأول، ولكن في صور وأشكال لا تمت إلى هديه صلى الله عليه وسلم وتعاليمه بصلة ما، ولا تعكس حقيقة المحبة التي أرادها منا.
وإنما المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم ليست دعوى تردد بالألسنة، ولا مظاهر واحتفالات تنتهي بانتهاء موسمها، وإنما هي اتباع لهديه، واقتداء بسنته، وامتثال لأوامره، واجتناب لما نهى عنه. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذه المحبة، وربط صدق الإيمان باتباع هديه والانقياد لما جاء به، فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست أن نحبه في شهر ربيع الأول فحسب، ثم ننسى سنته وهديه في سائر الشهور، وإنما المحبة الحقيقية أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة لنا في حياتنا كلها، وأن نجعل سنته منهاجًا نسير عليه، وهديه نورًا نستنير به، وأخلاقه ميزانا نزن به أقوالنا وأعمالنا؛ فحيثما وجدت المحبة الصادقة وجد الاتباع، وحيث غاب الاتباع كانت دعوى المحبة بحاجة إلى مراجعة وتصحيح.