السبيل واحد والاختيار مختلف!
18 يناير, 2026النظرة الإيمانية
سعيد الأعظمي الندوي
تعودنا – نحن المسلمين اليوم – التفكير في الأحداث المهمة والقضايا المتجددة من خلال العوامل الظاهرة والأسباب الخارجية، فكلما حدث من الأمور ما يسترعى الانتباه نسرع إلى البحث عن العوامل الظاهرة التي تعمل في حدوثه من غير أن نتعمق في التفكير قليلاً ونتذكر أن هناك قوة لا تحتاج إلى الاعتماد على الأسباب والعوامل، وإنما ينطلق تيارها في مجاري الأحداث والمشكلات والقضايا من غير أن تراها العيون أو تدركها العقول.
إن تعليل الأحداث بالعلل الظاهرة أمر ليس من شأن المؤمن أن يعيره الثقة واليقين، فقد كان السابقون من المؤمنين يؤلون كل شيء بمشيئة الله وإرادته، ويعتقدون أجزم الاعتقاد بأن كل ما يصدر من الحوادث والمشكلات والقضايا المعقدة مردها إلى القوة المطلقة، وأما الأسباب والعوامل فليست إلا مظهرًا من بعض مظاهر القوة الإلهية، قد يظهر بقوة ووضوح وقد يختفي ولايطلع عليه عقل الإنسان.
هذا النوع من التفكير قد جنى على كثير من صفات المؤمن، وقضى على عديد من منابع اليقين والثقة التي تتفجر في قلب المسلم الصادق الواعي بقيمته والشاعر بمسئوليته، فقد ذهب الناس حتى المسلمون يبحثون عن العلل والأسباب الظاهرة لما يجري حولهم من أمور وأحداث، ناسين أو متناسين أن ذلك يضاد روح اليقين التي يتمتعون بها، ونفسية الإيمان التي يعيشون فيها.
وقد جاءت هذه العادة التي التصقت بنا في كل من المجالات الفردية والاجتماعية كنتيجة لتأثير الأفكار والآراء المادية، وأساليب الحياة المجردة التي تحيط بنا من كل جانب، وتدور حولنا من كل جهة، لقد تأثرت عقولنا من غير شعور بالفكر المادي البحت وبالأسلوب الفلسفي الخالص وبالعقلية الجافة العقيمة، والحقيقة أننا نعيش تحت ضغط كبير للعوامل الخارجية التي تعمل في الشعور وتتسرب إلى داخل النفوس وتعيش في غضون العقول.
إنني بدوري أعتقد أن المسلمين لم يتعودوا أن يفكروا في قضاياهم هذا التفكير السطحي العابر، ويرجعوها إلى ظواهر العلل والأسباب إلا لضعف صلتهم بالتفكير العميق واعتمادهم الزائد على التحليل العلمي والتحقيق الفلسفي، كما هو شأن العصر الذي هم فيه ولو أنهم رجعوا قليلاً إلى الوراء، وتبينوا الأشياء في إشراقة الإيمان الذي ينور جوانح نفوسهم، وفي إشعاع الفكر الذي يشع في جوانبهم، لو أنهم حاولوا أن يروا الأشياء في ضوء هذه الإشراقة الإيمانية، ويزنوا الأمور في موازين اليقين والقوة الحقيقية لوجدوا أن القدوة الإلهية هي العاملة السارية في كل شيء، وأن مجاري الأمور والأحداث كلها تتصل بخيط الإرادة الربانية القوي المتين، وتجلت لهم حقيقة قول الله تعالى، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
ذلك هو الطريق الصحيح الذي يؤدي المسلم إلى الغاية بسلام، ولو أنه ربط حياته الظاهرة والباطنة بربه العظيم، ورأى كل شيء في مرآة النظرة الإيمانية، ورجع بكل أمر صغير وكبير إلى ذات الله تبارك وتعالى عاش في الدنيا حياة عز وسعادة وهدوء، واستطاع أن يفيد الناس ممن يعيشون حوله بحلاوة إيمانه وعقيدته، ويجعلهم يشعرون بلذة اليقين والطمأنينة، في جميع ممارساتهم، وأعمالهم التي يقدمون بها في حياتهم الرتيبة، وفي داخل بيوتهم وخارجها على السواء.

