الأصدقاء الأعداء

رب عجلة تؤدي إلى الندامة
28 يوليو, 2025
رب عجلة تؤدي إلى الندامة
28 يوليو, 2025

الأصدقاء الأعداء

الدكتور محمد بن سليمان بن عبد العزيز المفدي (المملكة العربية السعودية)
دخلت إحدى بلاد الله التي فُرضت فيها العلمانية بالحديد والنار والمشانق، وأُقصي فيها الإسلام بعد أن كانت تَسْتَفِيءُ ظلالَه الوارفةَ.
ولَمّا رأيت ما فيها من تفسخ وعري، وبذلٍ للخمور في كل جُحر وزاوية، رغم رحيل فارضها عن هذه الدنيا الفانية منذ زمن طويل، أيقنت مبلغ ما أراد الله بهذا العبد الآبق عن طاعته، من عظيم المهانة وشدة الذلة التي تمتد ذيولها لما بعد مماته، وكأنما هو اليوم حي، يحطب على نفسه –كل لحظة– كبائرَ الناس، التي فرضها عليهم، وقربها لهم، وفتح عليهم بحرها النتن.
فيا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.
ولما رأيت حماس أتباعه وأصدقائه ومحبيه والمعجبين به (لمخرجاته) وحراستهم المشددة لمسيرته، وحرصهم –بغباء فاحش– على استمرار صب الذنوب عليه في قبره ليلا ونهارًا، صبًّا صبًّا، منذ دفنه وإلى اليوم.. أدركت أنهم الأصدقاء الأعداء الحمقى الأغبياء حقا. ونقول لهم: سوف تستفيقون من غبائكم هذا حين: (يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) [العنكبوت: 25]، وإنّ هذا الحين لآت لا ريب فيه: (فاصبر إن وعد الله حق) [الروم: 60]، في حين يسعى أعداؤه الشرسون –الذين أعدم عشرات الآلاف من أسلافهم– سعيا حثيثا –مقدمين كل ما يستطيعون– يسعون مجتهدين إلى تجفيف نهر الخبائث، وإيقافه أن يُفْرِغَ أقذاره في قبره، حيث لا يستطيع الانفكاك منها، ولا يمكنه التواصل مع هؤلاء الأصدقاء الحمقى ليوقفوا صب النار عليه! فهل أدركنا شدة الحسرة!! وهل تخيلنا عظيم الندامة!!
هنا أدركت أيضا المعنى العميقَ لتلك الحكمة القديمة: عدو عاقل، خير من صديق جاهل.
فاللهم سلمنا وعافنا، وأعذنا من الذنوب الجارية، وامنحنا –برحمتك– حسنات جارية.
ففي الصحيحين: البخاري: (6890)، ومسلم: (1677) أن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا، إلا كان على بن آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كان أول ‌من ‌سن القتل).
وفي صحيح مسلم: (1017) أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (‌مَنْ ‌سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ. مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. مِنْ غَيْرِ أَنْ ينقص من أوزارهم شيء)
مئات الملايين من حالات التفسخ والعري، على مدى عقود من الزمن، وما يتبعها من أمور معلومة! وأَضْعَافُها من حالات النظر المحرم، ومئات الملايين من حالات السكر والعربدة –فضلا عن الفكر العلماني المتوارث– ينشأ فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، كلها في ميزان سيئات ذلك الأرعن وأتباعه، يرعاها ويحوطها ويدافع عنها ويحرسها – بامتياز – أتباعه وأصدقاؤه ومحبوه والمعجبون به.
حقًّا إنهم الأصدقاء الأعداء.. وكفى.
* * *