حقوق الإنسان في الإسلام
29 ديسمبر, 2025الإسلام يغير اتجاه الرِّيَاحِ
29 ديسمبر, 2025أمراض المجتمع وعلاجها (17)
فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي
آفة الرشوة:
إنّ من الآفات التي استشرت في جسد الأمّة في هذا العصر، آفةُ الرّشوة، فهي داءٌ خطير، بل هي سهم مسموم يُغرَز في جسد العدالة، وبابٌ واسع لانهيار القيم، وارتفاع البركة من المجتمعات، ابتُلي به جمعٌ غفير من الناس، حتى غدت وكأنّها من ضرورات المعاش، والأسف كلّ الأسف أن كثيرًا من الناس يتلاعبون بالألفاظ لتزيينها، فيسمّونها “إكرامية” أو “هديّة” أو “خدمة” ليُسبغوا عليها لباس الشرعية، ويجعلوها مصدرًا إضافيًّا للدخل فوق الراتب.
لكنّ الحقّ أبلج لا يخفى، فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ ” (المعجم الصغير للطبراني: 58) وهو نصٌّ قاطعٌ في التحريم والتجريم.
ومن أسوأ صور الرشوة وأخطرها ما ابتُليت به الأمم السابقة، وعلى رأسهم اليهود والنَّصارى، إذ كانوا يأخذون الرشوة، فيغيّرون بها أحكام الله، ويكتمون ما أنزله من الكتاب، ويبيعون آياته بثمن بخس، طلبًا لمصالح دنيوية زائلة.
وقد فضحهم الله تعالى في كتابه الكريم، وبيّن وقاحة صنيعهم، وشناعة جُرمهم، وعِظَم العقوبة التي تنتظرهم، فقال سبحانه: “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” [البقرة:174] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شبراً بشبر وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ” (البخاري:6889)
وقد ظهر في هذا الزمان – مع الأسف –طائفة من المنتسبين إلى العلم، ممن باعوا دينهم بدنيا غيرهم، فهم يأخذون الرشاوى تحت مسمى “نذور” أو “هدايا”، ثم يُعطون بها فتاوى باطلة، ويُحِلّون ما حرّم الله، ويُسقِطون عن الناس ما فرضه الله، كأن يُسقطوا الصلاة عن تاركيها، أو يُجيزوا المحرّمات لأصحاب النفوذ والمال.
وهذه من أبشع صور الرشوة، لأنها لا تتعلق فقط بحقوق الناس، بل تتعداها إلى تحريف في دين الله، وتشويه صورته، وخداع الأمة، ولهذا كان عقابها عظيمًا عند الله، كما قال تعالى: “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً” [البقرة:79]
والرشوة نوع آخر، وهو أن يَبِيْعَ المسؤولُ ضميرَه، فلا يقوم بالواجب إلا إذا امتلأتْ يدُه، ولهذا النوع أيضًا صورتان شائعتان: إحداهما أن لا يُعطى صاحب الحق حقَّه إلا إذا دفع رشوة، والثانية أن يُؤخذ المال ممن لا حق له ليُمنَح ما هو حقٌّ لغيره، وكلا الصورتين محرَّم، غير أن الثانية أشدُّ قبحًا وأعظم فسادًا. وقد قال الله تعالى: “وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ” [البقرة:188]
الرشوة محرّمة في جميع حالاتها، لكن في حالةٍ نادرة، إذا لم يكن للإنسان وسيلةٌ لأخذ حقه من الظالمين إلا أن يدفع شيئًا ليسْتَرْجِعَ حقَّه، فقد أجاز له العلماء ذلك من باب الضرورة، لا من باب الجواز العام، بشرط أن يكون الهدف تحصيل الحق لا الظلم، وألا يتخذ ذلك عادة، وأن يُقدَّر الأمر بقدره، وأن يُنكر ذلك المنكر بقلبه ولا يرضى به.
لقد أصبحت الرشوة في الدوائر والمكاتب داءً مستشرياً، بل صارت في بعض الأوساط كأنها من المسلّمات، حتى إن بعض المتديّنين لم يسلموا منها، مع أن هذا من الكبائر. ولا يخفى أن الرشوة تختلف عن الهديّة، لكن لا بدّ من التنبّه: فكم من هديّة ظاهرها التودّد، وباطنها الاستغلال، فغالبًا ما يتبع الهدية طلبٌ أو مصلحةٌ يُراد قضاؤها، فحينئذٍ يتحول العطاء إلى رشوة خبيثة، والواجب عند ذلك ردّ الهدية، كما كان يفعل السلف الصالح. وقد قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ” (البخاري: كتاب الهبة، باب من لم يقبل الهبو لعلة)
فليتفكر المرء في لقمةٍ من مالٍ حرامٍ تدخل جوفه، إنها جمرة من نار، وما نبت من السحت فالنار أولى به، وكيف تُرجى الاستجابة لدعاء، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا”، وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ”. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟!” (رواه مسلم في شعب الإيمان، الفصل الثالث في ذم كثرة الأكل، 5353)
بل الأدهى من ذلك أن ينشأ الأبناء على هذا المال الخبيث، فأي بركة تُرجى منهم؟ فالحذر الحذر! من هذا الداء العظيم، والتوبةُ الصادقة خيرُ علاج، والله المستعان.
ترجمة: سعد مبين الحق الندوي]

