دروس من الهجرة النبوية
27 يوليو, 2026أيُّنا أولى بالعقل
(محمد خالد الباندوي الندوي)
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنك ترى في حياتك – أيها الأخ – أناسًا استولت على قلوبهم الدنيا، فأعجبتهم زينتها، وأخذت بألبابهم لذاتها، فصبوا قصارى جهدهم على ما يحقق لهم الراحة العاجلة، وجعلوا أكبر همهم جمع المال، وبناء الدور والقصور، والتنافس في المناصب والتفاخر بما يملكون من الثروات الكثيرة، حتى خيل إليهم أن السعادة كل السعادة في وفرة المال، واللذات الدنيوية التى تذهب لذاتها وتبقى حسرتها. فهل ترى أمثال هولاء عقلاء حقًّا؟ وهل تتمنى أن تكون واحدًا منهم؟ أم أن العقل كل العقل أن تعيش في الدنيا كعابر سبيل، وأن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك، وأن تجعلها طريقًا إلى الآخرة، نذكر فيما يلي قصة طريفة تناقلتها كتب الأدب والزهد لما فيها من روعة التصوير للحياة، وقوة التذكير وصدق الإشارة إلى حقيقة الدنيا والآخرة، وهي قصة تروى عن بهلول مع الخليفة العباسي هارون الرشيد وسواء ثبتت تفاصيلها تاريخيا أم لم تثبت، ولكنها تحمل معاني جليلة، ولا شك إنها قصة تضع القارئ أمام سؤال لا بد أن يجيب عنه” أين يضع جهده؟ وفيم يقضي عمره؟
“يقال إن هارون الرشيد الخليفة العباسي الشهير مر يومًا ببهلول، فرآه جالسًا بين المقابر، فقال له مستهزئًا: “يا بهلول يا مجنون متى تعقل؟ فركض بهلول وصعد إلى أعلى شجرة ثم نادى على هارون بأعلى صوته “ياهارون يا مجنون متى تعقل؟ فأتى هارون تحت الشجرة وهو على صهوة حصانه وقال له “أنا المجنون أم أنت الذى يجلس على المقابر؟. فقال له بهلول “بل أنا عاقل” قال هارون وكيف ذلك؟ قال بهلول “لأنى عرفت أن هذا زائل، وأشار إلى قصر هارون، وأن هذا باق، وأشار إلى القبر، فعمرت هذا قبل هذا، وأما أنت، فإنك قد عمرت هذا (يقصد قصره) وخربت هذا (يعنى القبر).. فتكره أن تنتقل من العمران إلى الخراب، مع أنك تعلم أنه مصيرك المحتوم، وأردف قائلا “فقل لي أينا أولى بالعقل؟”، فرجف قلب هارون الرشيد من كلمات بهلول وبكى حتى بلل لحيته وهو يقول “والله إنك لصادق” ثم قال هارون زدنى يا بهلول، فقال بهلول “يكفيك كتاب الله فالزمه”، قال هارون “ألك حاجة فأقضيها؟” قال بهلول: نعم ثلاث حاجات: إن قضيتها شكرتك، قال فاطلب، قال: “أن تزيد فى عمري” قال: “لا أقدر” قال: أن تحميني من ملك الموت، قال: لا أقدر، قال: “أن تدخلنى الجنة وتبعدنى عن النار” قال: “لا أقدر” قال: “فاعلم أنت مملوك ولست ملك” ولاحاجة لي عندك”.
هذه هي الحكمة التي نحتاج إليها في حياتنا – أيها الأخ – وإنما العاقل من أنفق حياته طلبًا لرضى الله في الآخرة واستعد للقائه، فقد جاء في الحديث الشريف “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني”.
إن لله عبادا فطنا
طلقوا الدنيا فخافوا االفتنا
نظروا فيها فلما علموا
إنها ليست لحيي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا
صالح الأعمال فيها سفنا

