الشعر ديوان العرب

هِجانُ الحيِّ كالذَّهب المصفىَّ
5 اکتوبر, 2021
يا أمة الإسلام
20 اپریل, 2022

الشعر ديوان العرب

د. محمـد أيوب الندوي

قال سيدنا عمر بن الخطاب: "الشعر ديوان العرب” وبهذه الطريقة إنه ألح على قراءة الشعر العربي وحفظه ودراسته، وإن دارس الأدب العربي ومن له إلمام بحياة العرب يعرف أن شعر العرب يتحدث عن تاريخ العرب، وعن حياتهم الاجتماعية وعمرانهم، وعن نزعاتهم القبلية ونزاعاتهم، وعن حروبهم ووقائعهم، وعن أسفارهم ورحلاتهم وعن منازلهم وأنعامهم، وعن طعامهم وشرابهم؛ فكان الشعر أهم أنواع الأدب لديهم، وإن العرب شعب لم يترك صغيرة ولا كبيرة من أمور حياته إلا سجلها في أدبه.

كان الشعر في العهد الجاهلي وسيلة لنشر الأخبار مؤثرة في مجتمعهم كما للصحافة تأثير في عصرنا هذا، فكان الشاعر أكثر إرهافا للحس والشعور بما يحدث في المجتمع العربي من وقائع وأحداث. وما كان الشاعر يذكر من ذلك في شعره إلا وكانت موضوعاتها  تنتشر في المجتمعات العربية انتشار الحريق في الغابة.

ولما جاء الإسلام انقلبت حياة العرب ظهرًا على بطن فكان مجيئ الإسلام حدثًا عظيمًا، له تأثير كبير في أذهان العرب، إذ تغيرت حياتهم السياسية والاجتماعية والأدبية تغيرًا ملحوظًا، ففي مدة أقل من قرن شهد مجتمعهم تطورًا ملموسًا في حياتهم وذلك لأنهم آمنوا بالله، وتغيرت عقيدتهم فبدلاً من عبادة الآلهة الكثيرة وخوفهم منها شرعوا يعبدون الله الأحد الصمد ولم يخافوا إلا من الله العزيز القهار، وخرجوا من أريافهم وبواديهم ليستوطنوا بلادًا تختلف عن أوطانهم في الطبيعة ونظام المعيشة وتقاليد المجتمع، وذلك ما هزّ نفس العربي هزّا عنيفًا وأحدث تطورًا وتجديدًا في أدبه من شعر ونثر.

وهناك اعتقاد أن الشعر كسدت سوقه بعد ظهور الإسلام،فقلّ عدد الشعراء وضعف إنتاجاتهم، ويقول البعض إن الإسلام ثبط همم الشعراء ولم يشجع الشعر، ولكن الأمر على العكس، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر حسان بن ثابت رضي الله عنه بإنشاد شعره دفاعًا عن الإسلام.

وربما كان السبب في قلة الشعر بعد الإسلام، أن العرب كانوا فصحاء بلغاء وكان الشعراء على قمة الفصاحة والبلاغة، فلما تحداهم كتاب الله بإعجازه تحيروا وقالوا ما هذا قول البشر، واستسلموا أمام عظمة القرآن فما استطاعوا إنشاد الشعر إلا قليلاً.

كان الشعر العربي في العصر الجاهلي يعبر عن نشاطات القبائل العربية في حياتهم الفردية وفي حياتهم الاجتماعية وفي علاقة بعضهم ببعض، سلمًا وحربًا،لأن الكيان الاجتماعي للعرب كان قبليا فتأثرت القصيدة العربية أيضًا بحياتهم الفردية والاجتماعية فكانت القصيدة الشعرية لديهم مزيجة من عواطف ذاتية خاصة، وبعض أمور القبيلة في الحل والترحال، والحرب والسلم، والقحط والرخاء.

وظهر الإسلام بمفهومه السياسي وجمعت العقيدة العرب فقامت لهم دولة وتغير الشعر العربي تغيرًا ملحوظًا في العهد الإسلامي والعهود التالية، وان الشعر التزم بالسياسة بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولما استولى معاوية على مفاتيح الحكم بعد مقتل علي رضي الله عنه كانت هناك عدة أحزاب سياسية أهمها الهاشميون والخوارج والأمويون ثم القريشيون وكان لكل حزب شعراؤه الذين يعبرون عن أهداف حزبهم ومفهومه للحكم وحقه فيه.

وبدأت حقبة جديدة في تاريخنا الإسلامي وهي الحقبة التي تبدأ بعد ما تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر ربيع الأول سنة ٤١ ھ عن الخلافة في حق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما،وصار معاوية رضي الله عنه خليفة معترفاً به في كل أنحاء الدولة الإسلامية. وتعرف هذه الحقبة بالعصر الأموي حيث سادت الدولة الأموية التي استمرت لمدة واحد وسبعبن عامًا، وكان في الدولة الأموية أربعة عشر خليفة، وكان من أبرزهم وأكثرهم تأثيرًا أربعة وهم معاوية بن أبي سفيان، عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، ثم عمر بن عبد العزيز.

ومن المعلوم أن الأمويين اتخذوا من مدينة دمشق عاصمة لدولتهم لأن سيدنا معاوية رضي الله عنه كان محافظا لبلاد الشام منذ عهد الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فوجد مؤيدين له فيها وكان الأمويون يظهرون تعلقا شديدا بالعرب والعروبة، وإنهم لم يهتموا كثيرًا بالموالي والأعاجم، وإن امتداد الدولة الإسلامية قد حسن أحوال العرب الاقتصادية وخرج العرب إلى بلاد غنية بطبيعة أرضها ووفرة خيراتها ورقي صناعتها، فانقلبوا من شظف عيش إلى ترف ونعمة، وجمعوا الأموال ولا سيما في عهد بني أمية حيث انتشر اللهو والترف وكان أكثر انتشارهما في بلاد الشام والحجاز.

كان للحروب والفتن أثر كبير أيضًا في الأدب العربي وتوجيهه، فقد تعددت الاضطرابات بين الأحزاب المتطاحنة، فأصبغ قسم كبير من الأدب بصبغة النضال.

ودب النزاع القبلي إلى المجتمع العربي وقد أحيى خلفاء بني أمية هذا النزاع وأوقدوا نار العصبية الجاهلية من جديد وذلك لتمهيد حكمهم فرجع الأدب إلى ما كان عليه في الجاهلية.

وكان للعرب، كما في الجاهلية، أسواق للتفاخر والتنافر وخاصة "المربَد” في البصرة. يجتمع فيه الشعراء والعلماء يتفاخرون ويتهاجون واستغل الأمويون اجتماع الشعراء في هذه الأسواق إذ أنهم كانوا يشجعونهم حتى يشغلوا الشعب العربي بالبرامج الثقافية ولا يجد الفرصة في البحث عن مثالب الأمويين ومساوئهم فكان للأسواق أثر كبير في أدب الأمويين. وفي الحقيقة ساعد الأمويون الأدب وعملوا على تعزيزه إذ كان هذا الأدب يخدم مصالحهم الحزبية والفردية.

ومن المعلوم أن الإنسان إذا سكن في مكان واحد تكون له قيم وإذا هاجر إلى مكان آخر تتغير قيمه ونفسيته،كان المهاجرون إلى البلدان البعيدة قد طاب لهم المقام فيها، ولكنهم كانوا ينتقلون بين مكة والمدينة وبين أوطانهم الجديدة، فتغيرت كثير من القيم الخلقية والاجتماعية لديهم وقد تغير مجتمعهم لاتصالهم المباشر بالاقتصاد والسياسة والفكر والفن وأساليب المعيشة.

وكان المجتمع العربي أصيب بكثير من القلاقل والثورات والحروب الأهلية منذ خلافة علي رضي الله عنه حتى استتب الأمر لبني أمية. واستولوا  على مقاليد الحكم. فنشأ جيل جديد من العرب في ظل هذا المجتمع الجديد وربي على قيمه الجديدة وبما أنه لم يعش الجيل الجديد في الجاهلية إنما ولدوا في الإسلام وشبوا وشابوا في العهد الأموي. فكانت قيمهم وفكرتهم تختلف عن فكرة أولئك الأوائل الذين عاشوا الجاهلية والإسلام.

وكل هذا أسفر عن تحول كبير في الشعر العربي، سواء في لغته أم في صوره أم في طبيعة تجاربه إلى حد أننا نجد فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين شعر المرحلة السابقة وبين شعر هذا العصر حتى ليمكن أن نسميه "حركة” شعرية جديدة، وهذه الحركة هي شعر الغزل في العهد الأموي.

كانت منطقة الحجاز قلب الإمبراطورية العربية الجديدة، إذ اتخذ محمد صلى الله عليه وسلم المدينة دار الهجرة، ثم اتخذها الخلفاء مقرًا لعاصمة الدولة، فكانت المدينة من الوجهة  الدينية ومن الوجهة السياسية محطًا للأنظار، ومن الحجاز خرجت الجيوش العربية لفتح الأمصار،فاندفعت على المدينة كنوز الأرض كما اندفق عليها الموالي من فرس، وروم وشاميين ومصريين، وكان ذلك كله عاملا كبيرا في إنشاء حضارة جديدة اختلط فيها العرب بالشعوب الأعجمية، وامتلأت المدينة بالترف والثراء.

ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية، انتقلت السياسة من الحجاز إلى الشام، وكان أهل الحجاز من المعارضين لبني أمية، فلم يستخدم الأمويون أهل الحجاز في وظائف الدولة إلا نادراً، وبدلاً من ذلك أهال الأمويون على أهل المدينة الأموال الطائلة لصرفهم من السياسة، ومنعوا أهل البدو من الغزوات والغارات فكانت بيئتهم بيئة فراغ.

أما في البادية من نجد والحجاز فقد اجتمع الحرمان والكبح مع الفقر فكانت نتيجة ذلك نغمة زهد أو ميل إلى المثل العليا،فالجيل الجديد في البادية وجد الطمأنينة في الدين أو في الغزل العفيف.

وأما في الحاضرة فقد اجتمع اليأس مع وفرة المال والثروة فكان أبناء المهاجرين والأنصار في مكة والمدينة مثرين أغنياء. واليأس والثروة أنتجا اللهو والإسراف في اللهو، فقد نشأت طبقة من الشبان الفارغين كانت حياتهم الاجتماعية حياة مجون وإثم وساعدهم على ذلك كثرة الرقيق وما انتشر في البلاد من ضروب الملاهي ولا سيما الغناء.

ما كانت العصور الأدبية قبل العهد الأموي خالية من الغزل، وإن الغزل لم يكن غرضا مستقلا في العهد الجاهلي وانما جاء به الشاعر الجاهلي وسيلة للكلام وتمهيدا لقوله، وقد رأينا كعب بن زهير يبدأ قصيدته اللامية بالتشبيب وذكر الغزل وأخيرًا ينتهي إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم  إثرها،  لم  يفد مكبول

وما سعاد، غداة البين، إذ رحلوا

إلا أغنُّ غضيض الطرف مكحول

وفي نفس القصيدة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

إن الرسول لسيف يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلول

في عصبة من قريش قال قائلهم

ببطن مكة، لما أسلموا ” زولوا

ونشأ الغزل الجديد في العهد الأموي وذلك في الحجاز وما يليه من البلاد العربية الخالصة.

كان الغزل في العهد على نوعين: الغزل البدوي، والغزل الحضري. أما البدوي فهو غزل العذريين الذين يتغنون بالحب الأفلاطوني العفيف، وأشهر شعرائه: جميل بن معمر، وليلى الأخيلية والمجنون العامري ، وقيس بن ذَريع.

وأما الحضري فهو غزل إباحي، يتغنى فيه الشاعر بالحب وملذاته الجسدية، وينصرف فيه إلى الوصف القصصي الواقعي من غير خجل ولا حياء وأشهر أصحابه عمر بن أبي ربيعة والأحوص. (مدير المركز الثقافي العربي الهندي،الجامعة الملية الإسلامية)