بون شاسع بين القول والعمل

كيف يتغير المصير المحتوم؟ (2/ الأخيرة)
13 اپریل, 2020
الحاجة إلى الإيثار وتقديم التضحية
9 جون, 2020

بون شاسع بين القول والعمل

ما أروع ما قاله الشاعر العربي أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن خلُق وتأتيَ مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك فانهَها عن غَيِّها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

الكذب ألوان وأشكال عملت في تضليل العقول، والعبث بالأهواء إلى حد كبير، وتسبّبت في تفشي الاضطراب والانحلال في المجتمعات البشرية، ونشرت تزويرًا وتلفيقًا في كل مكان، وأسدلت ستارًا كثيفًا بين الصورة والحقيقة.

وأما أبرز هذه الألوان والأشكال وأكثرها شيوعًا وانتشارًا لدي الخاصة والعامة، فهي النطق بغير ما في القلب، وقول ما يخالف العمل، وقد حذّر من ذلك القرآن بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون}. وهذا النوع من الكذب هو داء عضال لا يكون بمأمن منه إلا عدد ضئيل من الناس أوتي قلبًا نقيًا، ونفسًا زكية، وثباتًا على الحق، ومُنع من النفاق والخداع والمكر، فهم لا يترددون في النطق بما تؤمن به قلوبهم، ثم الإتيان بما تتفوه به ألسنتهم، وهؤلاء الصادقون في الواقع سيُكافؤون على صدقهم بما تقرّ به عيونهم، وتثلج صدورهم، فقد قال جلّ وعلا: {إن المصّدقين والمصّدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم}.

هناك بون شاسع بين القول والعمل، لا يزال يتسع على مرّ الأيام، بدلا من أن يتقلص، ويعتنق كل منهما الآخر، ويتحقق التلاقي بينهما، وبسبب وجود ذلك أذهب القول أثره، فأصبح كصيحة في واد، أو نفخة في رماد، وبقي كشجرة مات أصلها، ولن يتقرب العبد إلى ربه زلفى مادام قوله لا يوافق عمله، فقد ورد في القرآن الكريم قولُه تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}.

حينما كان الناس على موافقة بين القول والعمل، فعلوا الأفاعيل، وأتوا بالعحائب، وعملت أقوالهم في القلوب والنفوس كسيف ماض في الأجسام، فكم من حفلة دعوية توجيهية علا فيها صوت البكاء والنشيج، وارتفعت فيها أصوات المذنبين بالاعتراف بذنوبهم، فانقلبت حياتهم المليئة بالضيق والانقباض حياةً تهب فيها ريح السعادة والهدوء، وكم من كلمة بسيطة ساذجة اتسعت لها العقول، وتفتحت لها الأذهان، فصارت تأتي بما تُدهش ذوي الألباب، وكم من كتب دينية إسلامية غيرت مجرى الحياة التائهة الحائرة، ووجهتها إلى حجهة صحيحة.

لا أحد يدري أين فُقدت تلك الألسن التي كانت تفتح القلوب وتأسر الألباب، وأين غابت تلك الأقلام التي كان لها صدى واسع الانتشار، يهز النفس هزًّا عنيفًا، ويُحدث فيها تغيرًا ملموسًا، على الحقيقة أنه لم يفقد منها أي شيء، بل وإنما الشيء الذي فقدناه هو المطابقة بين القول والعمل، فنحن نقول ما يخالف أعمالنا، ونحن نكتب ما لا يوافق قلوبنا، ونحن ننصح بما تتجرد منه حياتنا، وعلى ذلك كله نحن نتمنى أن يؤتى ذلك ثماره، هذا شيء صعب المنال لكل من يتوقع ذلك، يقول الحافظ ابن كثير- رحمه الله- في بيان معني هذه الآية الكريمة: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به….الآية}: ” والمعني في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه”.

فلا بد إذن أن تكون حياتنا نموذجًا للجمع بين القول والعمل، فإن فعلنا ذلك تحقق لنا ما وعد الله به عباده الصالحين قائلا: {إن اللذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم}.

(محمد حمزة خان)