شهر ربيع الأول

مكانة العلم في الإسلام وأثره في نهضة الأمم
27 يوليو, 2026
مكانة العلم في الإسلام وأثره في نهضة الأمم
27 يوليو, 2026

شهر ربيع الأول

خليل أحمد الحسني الندوي

سيطل علينا شهر ربيع الأول، شهر الأنوار والرحمات، شهر ازدانت أيامه بميلاد خير البرية، وسيد ولد آدم، محمد صلى الله عليه وسلم، فكان مولده إيذانًا بانبلاج فجر الهداية، وانقشاع ظلمات الجاهلية، وإشراق نور الوحي على الإنسانية جمعاء، بعد أن طال بها ليل حالك للشرك والضلال، ففي هذا الشهر أكرم الله العالمين برسول أخرج الناس بإذن ربهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن شقاء النفوس إلى سعادة الإيمان.
ومن حق هذا الشهر علينا أن نجدد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نصبغ حياتنا بصبغة سنته، وأن نجعل سيرته العطرة منهاجًا لأقوالنا وأعمالنا وأخلاقنا، وأن نقتدي به في عبادته ومعاملته ورحمته وعدله، فإن الله تعالى لم يبعثه رحمة للعالمين فحسب، بل جعله الأسوة الكاملة والقدوة العظمى لكل من يرجو الله واليوم الآخر، فقال سبحانه: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا”.
وكيف لا يكون هذا الشهر موضع عناية المسلمين واهتمامهم؟ وهو الشهر الذي شهد ميلاد خير خلق الله، ففيه بزغ نور الرسالة، وأشرقت شمس النبوة، واستنارت الأرض بهدي خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، فانتقل الناس ببعثته من الضلال إلى الهدى، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الظلم إلى العدل، ومن عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق سبحانه.
ولذلك يحرص المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على اغتنام هذه المناسبة المباركة في إقامة المجالس العلمية، والمحاضرات، والندوات، ومدارسة السيرة النبوية، وبيان شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونشر الكتيبات والمقالات التي تعرف بحياته المباركة وأخلاقه الكريمة، رجاء أن تزداد القلوب محبة له، والأرواح تعلقًا بهديه، فإن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان، بل لا يكتمل إيمان العبد حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين»، غير أن المحبة الصادقة ليست دعوى تقال بالألسنة، ولا عاطفة عابرة تثار في المناسبات، وإنما حقيقتها الاتباع والطاعة، والاقتداء والاستقامة، كما قال تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ”. فكلما ازداد العبد اتباعًا لسنته، وحرصًا على هديه، كان أوفر نصيبًا من محبته، وأقرب منزلة عند ربه.
وفي زماننا هذا يحتفي الناس بذكرى ميلاد عظمائهم وقادتهم، ويستعرضون مناقبهم؛ فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الأولين والآخرين، وأكرم الخلق على الله؟ إن أولى ما تستثمر فيه هذه المناسبة المباركة أن تكون منطلقًا لتجديد العهد معه، وتعريف الناس بسيرته، وإحياء سنته، ونشر أخلاقه، وتعليم شريعته، حتى يزداد حبه في القلوب، ويقوى التمسك بهديه في النفوس.
إن هذه المجالس لا تؤتي ثمارها إلا إذا كانت خالصة لله تعالى، منضبطة بضوابط الشرع، بعيدة عن البدع والمنكرات، وعن الاختلاط المحرم، والإسراف، والمباهاة، وكل ما يخالف هدي الإسلام؛ فإن المقصود الأعظم منها هو الدعوة إلى الله، وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربط الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها، لا مجرد إقامة مظاهر احتفالية تخلو من المعاني الإيمانية والتربوية.
ومن هنا، فلا ينبغي أن تقتصر مظاهر الاحتفاء بمولده صلى الله عليه وسلم على الزينات، والأضواء، والأناشيد، والحلاوى، وإنما ينبغي أن تتحول هذه المناسبة إلى موسم للدعوة والإصلاح، وتعليم السيرة، وإحياء السنن، وتربية الناشئة على الأخلاق النبوية، ونشر الآداب الإسلامية في البيوت والمدارس والمساجد والأماكن العامة، حتى يكون الاحتفاء به احتفاء برسالته، لا بمجرد ذكرى ميلاده.
إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى أن تعود إلى نبيها صلى الله عليه وسلم، فتتعلم من سيرته الثبات عند الفتن، والرحمة عند القدرة، والصبر عند الشدائد، والعدل عند الحكم، والتواضع مع الخلق، وحسن الخلق مع القريب والبعيد، فإن في هديه صلاح الدنيا والآخرة، وسعادة الفرد والمجتمع.
فلنجعل من شهر ربيع الأول محطة لتجديد الإيمان، وإحياء المحبة الصادقة، وتعميق الاتباع، ولنقرأ سيرته في بيوتنا، ولنعلم أبناءنا أخلاقه، ولنكثر من الصلاة والسلام عليه، امتثالا لقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”.