العمر رأس مالك فلا تُضيّعه
27 يوليو, 2026النجاة برحمة الله لا بمجرد العمل
عبد الرشيد الندوي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَلا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْئًا مِنَ الدُّلْجَةِ، الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا».
تخريج الحديث: أخرجه البخاري (6463)، ومسلم (2816).
شرح الحديث: أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أن نجاة العبد من النار، ودخوله الجنة، ليسا بمجرد عمله، وإنما هما بفضل الله ورحمته. ولكن الله جعل العمل سببا لنيل رحمته والفوز بكرامته. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لن يُنجي أحدًا منكم عمله»، فلما سأل الصحابة: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة»، ليعلم العباد أن الخلق كلهم، مهما علت منازلهم، مفتقرون إلى رحمة الله، وأنه لا غنى لأحد عنها طرفة عين.
وليس في هذا ما يدعو إلى التهاون بالعمل، لأن الله سبحانه أمر بالطاعات، ووعد عليها بالثواب، وجعلها سبيلًا إلى رحمته. فالمؤمن يجتهد في العبادة، ويحرص على أداء الفرائض والإكثار من النوافل، لكنه لا يعتمد على عمله، ولا يعجب بطاعته، بل يستشعر أن توفيقه للعمل نعمة، وأن قبول عمله نعمة أخرى، فيبقى قلبه متعلقًا بفضل الله، خائفًا من التقصير، راجيًا رحمة ربه.
ثم بيَّن صلى الله عليه وسلم المنهج الذي يعين على الثبات، فقال: «سددوا وقاربوا»؛ أي الزموا الاستقامة، واقصدوا إصابة الحق ما استطعتم، ولكن احذروا من التنطع والغلو، فإن هذا الدين مبني على اليسر والاعتدال، لا على الغلو ومجاوزة الحد. ومن حمل نفسه ما لا تطيق أوشك أن يمل وينقطع.
ثم شبه صلى الله عليه وسلم طريق المؤمن إلى ربه بطريق المسافر، فقال: «واغدوا وروحوا وشيئًا من الدلجة»، فإن المسافر الحازم لا يستنفد قوته في أول الطريق، وإنما يختار أوقات النشاط واعتدال الجو، فيسير أول النهار وآخره، وينتهز جزءا من الليل، حتى يبلغ مقصده من غير مشقة تقطعه عن السفر. وكذلك المؤمن، يجعل عبادته قائمة على المداومة، ويغتنم أوقات إقبال قلبه ونشاط بدنه، فيواصل السير إلى الله بخطوات ثابتة، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
ثم ختم صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله: «والقصد القصد تبلغوا»، وهي قاعدة جامعة في السير إلى الله؛ فالقصد هو الاعتدال الذي يجمع بين الجد والرفق، وبين الاجتهاد والدوام، بعيدًا عن الغلو والتفريط. فمن لازم هذا الطريق، وأخلص عمله لله، ولم يركن إلى طاعته، بل علق قلبه برحمة ربه، كان أرجى للنجاة من النار، والفوز بالجنة، ونيل رضوان الله.

