ابن بطوطة نموذجًا (2)

ابن بطوطة نموذجًا (1)
6 يوليو, 2026
ابن بطوطة نموذجًا (1)
6 يوليو, 2026

ابن بطوطة نموذجًا (2)

فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ حسن الأمراني

تحقيق رحلة ابن بطوطة:
وإذا كنا حققنا اسم ابن بطوطة، فإن من حقه علينا أن نحقق رحلته وما تعرض له نصها،وهنا نعود إلى النص الذي أوردناه من مقدمة الرحلة، لنرى كيف تعبث بعض الطبعات بنص الرحلة عبثًا شنيعًا، ولاسيما حين يُنصّ على أن الطبعة محققة، ونعيد النص الذي أوردناه آنفا، وهو: «كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثامن من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدًا حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، منفردًا عن رفيق آنس بصحبته، وركب أكون في جملته، لباعث في النفس شديد العزايم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازيم، فجزمت أمري ولم أبن على السكون، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون، وكان والدايَ بقيد الحياة، فتحمّلتُ لبعدهما وصبًا، ولقيتكما لقيا نَصَبا، وسنّي يومئذ ثنتان وعشرون سنة”(1).
فإن نحن نظرنا إلى بعض طبعات الرحلة وجدنا هذا النص آل إلى الصورة التالية:
“لباعث على النفس شديد العزائم وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم فحزمت أمري على هجر الأحباب من الإناث والذكور وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور”. (2) لندقق في النصّ ليتبين لنا عبث هذه الطبعة به.
من أين جاء المحقق بعبارة: “على هجر الأحباب من الإناث والذكور”؟ وهل كان قصده أن يطلب سجعة ما بين لفظة “الوكور” ولفظة “الإناث والذكور”؟ وهي سجعة لا تقدم في المعنى ولا تؤخر، إلا أنها تفسد المعنى فسادًا.
إنها زيادة لا أصل لها في نصّ الرحلة، ولو أحسن المحقق التدبر لما حذف من الجملة شيئا ولا عبث بالعبارة. فابن بطوطة فقيه، يستثمر ثقافته اللغوية والفقهية في التعبير عن المراد. فالعبارة في الأصل ليست كما نقلها: “وحزمت أمري على هجر الأحباب”، بل هي: “فجزمت أمري ولم أبن على السكون”. ويبدو أنه لم يفهم لفظة “جزمت”، فحولها إلى “حزمت”، لأنه وجد بعدها لفظة “أمري”، وفلان حزم أمره على كذا من الرواسم الشائعة، وقد توكأ عليها المحقق.
أما ابن بطوطة فقد قال: “وجزمت أمري”، بحرف الجيم، لا بحرف الحاء، وقد استعمل الجزم والبناء على السكون، وهما لفظة من ألفاظ النحو، كناية عن المراد، فالذي يجزم لا يستقيم له أن يبني على السكون، لأن الاسم إما أن يكون مجزوما وإما أن يكون مبنيا، فأما الجمع ما بين الجزم والبناء فمستحيل.
ثم إن في العبارة كناية. فالجزم حركة، والسكون ثبات. وهو قد عقد عزمه على الحركة والضرب في البلاد، لا على السكون، لأن النهر الساكن سريعا ما يصير آسنا.
وقد لجأ المحقق إلى تعيير لفظ “العزايم” إلى “العزائم”، وتغيير لفظ: “الحيازيم” إلى لفظ: “الحيازم”. وما علم أن كاتب الرحلة، سواء أكان ابن بطوطة أم ابن جزي، مغربي يأخذ في الهمز بالتسهيل لا بالتحقيق، كما هي قراءة ورش عن نافع، وكما هو الأمر عند قريش، كما في قول الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه: “لولا أن القرآن نزل بالهمز ما همزنا”. ومن قواعد هذه القراءة التسهيل، والنقل، والإدخال. ولنرجع إلى ما افتتح به القارئ حفظه الله من آيات من سورة سبأ. لقد قرأ: (سيروا فيها ليالي وأياما ءامنين)، بتحقيق الهمز من (ءامنين). ولكن المغاربة يأخذون برواية ورش عن نافع، فيقرؤون: (سيروا فيها ليالي وأياما آمين). وهم يقرأون كذلك: (أأعجمي) هكذا: (آعجميّ)، و(منْ آمن)، يقرؤونها (منَ امنَ)، و(أأنذرتهم) (ءا نذرتهم)، إلى غير ذلك من القواعد. وأهل سوس عندنا بالمغرب لا ينطقون بكل نص مهموز إلا بالتسهيل، وما زالت تسجيلات العلامة المختار السوسي شاهدة بذلك.
ويذكرنا الأخذ بالتسهيل شدة تعلق ابن بطوطة بالمقارنة بين ما شاهده في رحلته وما تركه وراءه بالمغرب، ومن ذلك ما يلي، وإن كان استطراداً، ما يلي:
لما مرّ بمدينة “سراجوق” قال: فوصلنا إلى مدينة سراجوق، وجوق بضم الجيم المعقود وواو وقاف، ومعنى جوق صغير، فكأنهم قالوا: سرا الصغيرة، وهي على شاطئ نهر كبير زخّار يقال له ألوصو بضم الهمزة واللام وواو ومدّ وضمّ الصاد المهمل وواو، ومعناه الماء الكبير، وعليه جسر من قوارب كجسر بغداد، وإلى هذه المدينة انتهى سفرنا بالخيل التي تجر العربات وبعناها بها بحساب أربعة دنانير دراهم للفرس وأقل من ذلك لأجل ضعفها ورخصها بهذه المدينة واكترينا الجمال لجر العربات.
وبهذه المدينة زاوية لرجل صالح معمّر من الترك، يقال له أطا بفتح الهمزة والطاء المهمل، ومعناها الوالد، أضافنا بها ودعا لنا، وأضافنا أيضا قاضيها ولا أعرف اسمه، ثم سرنا منها ثلاثين يوما سيرا جادّا لا ننزل إلا ساعتين: إحداهما عند الضحى والأخرى عند المغرب، وتكون الإقامة قدر ما يطبخون الدّوقي ويشربونه، وهو يطبخ من غلية واحدة ويكون معهم الخليع من اللحم، يجعلونه عليه ويصبون عليه اللّبن، وكل إنسان إنما ينام أو يأكل في عربته حال السير”(3).
ومن ذلك أيضا حديثه عن بطيخ خوارزم. قال: “وبطيخ خوارزم لا نظير له في بلاد الدنيا شرقا ولا غربا إلا ما كان من بطيخ بخارى، يليه بطيخ إصفهان، وقشره أخضر، وباطنه أحمر، وهو صادق الحلاوة، وفيه صلابة.
ومن العجائب أنّه يقدّد وييبس في الشمس ويجعل في القواصر كما يصنع عندنا بالشّريحة. والتّين المالقي، ويحمل من خوارزم إلى أقصى بلاد الهند والصين، وليس في جميع الفواكه اليابسة أطيب منه! وكنت أيام إقامتي بدهلي من الهند متى قدم المسافرون بعثت من يشتري لي منهم قديد البطيخ، وكان ملك الهند إذا أوتي إليه بشيء منه بعث إليّ به لما يعلم من محبّتي فيه، ومن عادته أنه يطرف الغرباء بفواكه بلادهم ويتفقدهم بذلك”.
وقد ورد في هذه الفقرة لفظة: “التين المالقي”، وقد يتوهم القارئ العربي أن “التين المالقي” نسبة إلى مدينة “مالقة” في الأندلس، التي ينطق بها باللاتينية malaga. وكذلك عندما يذكر عملة نقدية وهي: (الدرهم المالقي)، فيحسب القارئ أنه نسبة إلى مدينة “مالقة” الأندلسية أيضا، في حين أن الأمر يتعلق بمدينة من المدن التي زاراها في الشرق الأقصى، وتسمى (المالق). قال عن أحد أصحابه، واسمه علي بن منصور، صاحبه من مدنية السرا إلى خوارزم:(وسافر معهم إلى الصين، فبلغني بعد وأنا بأرض الهند، أنه لما بلغ إلى مدينة المالق وهي آخر البلاد التي من عمالة ما وراء النهر، وأول بلاد الصين، أقام بها وبعث فتى له بما كان عنده من المتاع)(4).
وعند مروره بمدينة بلخ، قال: “وخرب هذه المدينة تنكيز اللعين، وهدم من مسجدها نحو الثلث، بسبب كنز ذُكر له أنه تحت سارية من سواريها، وهو أحسن مساجد الدنيا وأفسحها، ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه، ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك” (5).
ثم إنه إن ذكر ثمن شيء بعملة أهل البلد، ذكر ما يقابله بالثمن المغربي، كقوله:
(ثم بعثها الأمير صحبة إمامه شمس الدين السنجري في خريطة يحملها غلامه، وصرفها من الذهب المغربي ثلاثماية دينار).
وهو إذا مرّ ببلد ذكَر أعلامه الأجلاء، من المشهورين، مثل الزمخشري، والسمرقندي، وشمس الدين السنجري، وغير المشهورين. قال عن الإمام البخاري: “وزرت ببخارى قبر الإمام العالم أبي عبد الله البخاري مصنف الجامع الصحيح شيخ المسلمين رضي الله عنه مكتوب: هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري…”(6)
ثم هناك لفظ آخر، مثير للانتباه، وهو “التهليل”، حيث فقال: “وأعطوها ألف دينار دراهم وأساور ذهب مرصعة وتهليلا من الذهب”. وأما التهليل فشرحه المحقق قائلا: “(التهليل) في الاصطلاح المغربي ظرف صغير يكون من جلد أو من معدن، تجعل فيه الأغراض الثمينة كالمصحف أو نحوه، وكان مما يهدى من المغرب إلى رؤساء الدول في الأعصار القديمة” (7)
وبعد هذا، نرجع إلى أمر آخر في التحقيق، وهو:
الخطأ في قراءة أسماء الأعلام:
إن من يحقق نصا تاريخيا عليه أن يكون على علم بكل ما يتعلق بذلك النص، من أعلام الأشخاص والأماكن ومن عادات الناس وغيرها. وهذا النص يرجع إلى العصر المريني، ولذلك يجب على محقق رحلة ابن بطوطة أن يحيط بتاريخ هذه الدولة ونشأتها.
غير أننا نجد المحقق يخطئ حتى في أسماء بعض الأعلام المشهورين، ومنهم مؤسس الدولة المرينية، الزعيم البربري “يغمراسن بن زيان”، الذي عاش ما بين 633هـ وسنة 682هــ، وكان عاملا للدولة الموحدية، قبل أن يتقدم لتأسيس دولة جديدة على أنقاض دولة الموحدين.
ومن عجائب التحقيق أن يشق اسم هذا الزعيم نصفين، لينتقل من “يغمراسن” إلى يغمر أسن بن زيان. ومن يدري؟ فلعله حسب كلمة “يغمُر” بمفردها فِعْلا من غمَر، وظن “أسن” من الماء الآسن، ليستقيم مع الغمر.. فأما الذي يعرف تاريخ المغرب، أو الذي يتحرى في التحقيق، فإنه لا يقع في شيء من ذلك، لأنه سيعلم أن “يغمراسن” إنما هو الزعيم البربري المسلم الذي أسس دولة بني مرين.
الهوامش:
(1). رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق الدكتور عبد الهادي التازي، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 1417هــ ــ 1997م. 1/153
(2). طبعة دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الأولى 1407هــ 1987م.
(3). قال المحقق التازي: الخليع من الكلمات المغربية الغير متداولة في جهات أخرى، ويتعلق الأمر بنوع من اللحوم المُصبّرة على الطريقة التالية: “ثم يصف طريقة إعداده منذ كونه شرائح، ثم قديدا، إلى آخره.
(4). نفسه: 3/15
(5). نفسه: 3/42
(6). نفسه: ص.25
(7). نفسه: 3/228