ابن بطوطة نموذجًا (2)
27 يوليو, 2026ابن بطوطة نموذجًا (3)
فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ حسن الأمراني
الإسلام في الهند:
مما عني به ابن بطوطة، مما شاهده في رحلته، مظاهر الإسلام في الهند وجزرها المترامية الأطراف. من ذلك وصفُ المساجد، ومنها المسجد الجامع في دهلي، وهو من أوسع المساجد مساحة في العالم، وجامع ملتان، عاصمة الهند القديمة، ومما قاله: “وذكر لي بعض الناس أن تلك السوق يخفّ زحامها يوم الجمعة لأنهم يسدّون سوق القيسارية وغيرها من الأسواق، فركبت يوم الجمعة وتوجهت إلى المسجد الجامع والمدرسة، وهذه المدينة تحت إمرة السلطان أوزبك، وله فيه أمير كبير يسمى قطلودمور، وهو الذي عمّر هذه المدرسة وما معها من المواضع المضافة، وأما المسجد فعمرته زوجته الخاتون الصالحة ترابك. بضم التاء المعلوة وفتح الراء وألف وبك بفتح الموحدة والكاف”.
ولفظ “سوق القيسارية” ما يزال مستعملا بمدن المغرب حتى اليوم.
ومن المساجد التي ذكرها مسجدُ أبي البركات المغربي، الذي كان سببا في إسلام بعض جزر الهند، وهي جزر المالديف. ولا نعرف اسمه على هذه الحقيقة، ولعله أُطلق عليه هذا اللقب للكرامات التي ظهرت على يديه، فأسلم بسببها أهل جزر المالديف، وبعض تلك الكرامات لا يخلو من هرطقات.
ولم يفت ابن بطوطة ذكرُ معاهد العلم والمزارات، وذكْرُ عدد من الأعلام الأفذاذ الذين وردوا على الهند، أو نشأوا بها. ونحن نعلم على سبيل المثال أن أبا الريحان البيروني قد رحل إلى الهند، وبقي بها أربعين سنة لا يشغله شيء غير استكمال كتابه العظيم: “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”.
ولكن ضرب الأمثلة على كل ذلك مما يجعل الحديث يطول، وحسبنا من القلادة ما يحيط بالعنق، كما يقول المثل.
لقد بدأ ابن بطوطة بتحديد تاريخ دخوله الهند (الرحلة: 3/ 71)، فجعله في الغرة من شهر الله المحرم، مفتاح عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، حيث وصل إلى وادي السند المعروف بـ(بنج آب) أي المياه الخمسة. وهذا الوادي هو أول عمالة السلطان المعظم محمد شاه ملك الهند والسند، ثم وصل خبره إلى قطب الملك، أمير مدينة مُلْتان، وهي من أقدم مدن جنوب آسيا، وكانت عاصمة للقارة الهندية، وتعاقبت عليها بعد الفتح دول كثيرة. إلا أن حاضرة السلطان في زمن ابن بطوطة كانت هي دهلي. وقد وصف بعض عجائب الهند، ومن ذلك وصفُ بيت فيه حجارة منحوتة، وفيها رسوم آدميّ إلا أن رأسه طويلٌ، وفمه في جانب من وجهه، ويداه خلف ظهره كالمكتوف. وهذا الوصف ينطبق على كثير من الأصنام التي ما تزال قائمة في كثير من بلدان شرق آسيا، ومنها الهند. وقد لقي بها جماعة من العلماء، منهم الإمام صدر الدين الحنفي، والشيخ العابد الزاهد شمس الدين محمد الشيرازي.
ومن العجب أن خبر ابن بطوطة سبقه إلى الملك الشريف جلال الدين، فنشأت بينهما مودّة، وتأكدت بينهما الصحبة والمودة، واجتمعا بحضرة دهلي.
و من عجائب الهند: أن يصف ابن بطوطة ما شاهده بدقة، ويقف عند نبات الهند، وحيواناتها، وأنهارها، وعادات أهلها، مما يطول وصفه.
ونكتفي بوصف حيوان واحد من الحيوانات التي ذكرها، وهو الكركدن، حيث يصفه قائلا: “ولما أجزنا نهر السند المعروف ببنج آب دخلنا غيضةَ قصب لسلوك الطريق، لأنه في وسطها، فخرج علينا الكركدن، وصورته أنه حيوان أسود اللون، عظيم الجرم رأسه كبير، متفاوت الضخامة، ولذلك يضرب به المثل فيقال: الكركدن، رأس بلا بدن، وهو دون الفيل، ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف، وله قرن واحد، بين عينيه، طوله نحو ثلاثة أذرع، وعرضه نحو شبر، ولما خرج علينا عارضه بعض الفرسان في طريقه، فضرب الفرس الذي كان تحته بقرنه فأنفذ فخذه وصرعه، وعاد إلى الغيضة، فلم نقدر عليه! وقد رأيت الكركدن مرة ثانية في هذه الطريق بعد صلاة العصر وهو يرعى نبات الأرض، فلما قصدناه هرب منا، ورأيته مرة أخرى ونحن مع ملك الهند، دخلنا غيضة قصب، وركب السلطان على الفيل وركبنا معه الفيلة، ودخلت الرّجالة والفرسان فأثاروه وقتلوه واستاقوا رأسه إلى المحلة”.
نحن اليوم لا نعجب من الكركدنّ، لأن آلات التصوير الحديثة قربته إلينا (ويُعرف اليوم باسم وحيد القرن أو الخرتيت). أما في عصر ابن بطوطة، بل حتى قبله بقرون، كان الكركدن مثار دهشة. وذكره الرحالة في ما دونوه. وذكره المتنبي في القرن الرابع، في قصيدة في هجاء كافور الإخشيدي فقال:
وَشَعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنَ
بَينَ القَريضِ وَبَينَ الرُّقَى
فَمَا كَانَ ذلِكَ مَدحَاً لَهُ
وَلكِنَّهُ كان هَجوَ الوَرَى
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفسُهُ قَدرَهُ
رَأى غَيرُهُ مِنهُ ما لا يَرَى
قال ابن الإفليلي في شرحه ديوان المتنبي:
الكركدن: دابة تكون بأرض الهند، مستشنعة الصورة، متفاوتة الخلق، شبه بها كافورا في اضطراب خلقه، وتناهي قبحه، والقريض: الشعر، والرقى: جمع رقية، وهي المعاذة.
فيقول: ومن أعاجيب مصر شعر مدحت به كافورا، الذي هو كالكركدن في قبح صورته، واستكراه العيون لطلعته، وكان ذلك الشعر بين القريض فيما ظاهرت به من مدحه، وبين الرقى فيما استدفعت به من شره.
وقال الواحدي:
وشعرٍ مدحتُ به الكَرْكَدنَّ
بين القريضِ وبين الرُّقى
“الكركدنُّ: يقال هو الحمار الهنديّ، وهو بالفارسيّة: كَرْك. وهو طائرٌ عظيم. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: دابّة عظيمة الخلق، يقال إنها تحمل الفيل على قرَنها، وأراد به الأسودَ فشبّهه بالكَركدنّ لعِظمِ جُثّته، وقلّة معناه”.
وقول الواحديّ عن الكركدن إنه طائر، أمر عجيب حقّا. فهل رأى الواحدي هذا المخلوق؟ بل هل رآه المتنبي؟ أم سبقت صورته إليه عن طريق الحكايات والأساطير، وبقي رمزا لما يثيره اسمه من البشاعة والغرابة؟
جاء في لسان العرب: (كركدن: ابن الأعرابي: الكَركَدّنُ دابة عظيمة الخلق، يقال إنها تحمل الفيل على قرنها.)
فإذا كان المتنبي لم يجد ما يشبه به كافورا الإخشيدي في البشاعة غير الكركدن، سواء أكان رأى هذا الحيوان أم سمعه، فمن حق الرحالة الذين لا عهد لهم بهذا الحيوان في بلدانهم أن يعتبروه من عجائب الحيوانات، ولولا ذلك ما دونوا خبره.

