ضعف الطالب والمطلوب
27 يوليو, 2026العمر رأس مالك فلا تُضيّعه
عبد الرشيد الندوي
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قال لرجلٍ وهو يَعِظُه:
«اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»
تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: رواه الحاكم في المستدرك (رقم 7846) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه جماعة من أهل العلم، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (رقم 3355).
شَرْحُ الْحَدِيثِ: لا جرم أن هذا الحديث أصل عظيم في تقدير نعمة العمر، ومعرفة قيمة الوقت، وانتهاز لحظات الحياة، فإن المؤمن لا ينتظر ولا يماطل ولا يسوف ولا يتكاسل ولا يتعلق بالأماني، بل يبادر إلى استثمار النعم الإلهية والمواهب الربانية فيما يرضي الله تعالى قبل فواتها أو ضياعها. فالشباب زمن القوة والعزيمة، والصحة معين على العبادة والعمل، والغنى وسيلة إلى البذل والإحسان، والفراغ ميدان لطلب العلم وذكر الله وصالح الأعمال، والحياة كلها رأس مال العبد، فإذا انقضت لم يبق إلا الحساب والجزاء.
ولهذا أكد النبي صلى الله عليه وسلم قيمة هذه النعم في حديث آخر فقال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». رواه البخاري (رقم 6412). فكم من صحيح لا يعرف قدر صحته إلا إذا مرض، وكم من متفرغ أضاع أوقاته، فإذا شغلته الدنيا أو أدركه الضعف تمنى ساعة واحدة يعود فيها إلى الطاعة والعمل الصالح.
وربّى النبي صلى الله عليه وسلم أمته على قصر الأمل والمبادرة قبل فوات الفرصة، فقال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». رواه البخاري (رقم 6416). وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ».
ومن أعظم ما يوقظ القلب استحضار أن العبد سيقف بين يدي الله تعالى فيسأل عن دقائق أعماله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ». رواه الترمذي (رقم 2417) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني. فهذا الحديث يبين أن العمر والمال والعلم والجسد كلها أمانات، وأن السؤال عنها واقع لا محالة، فمن اغتنمها في الطاعة سعد، ومن ضيعها ندم حين لا ينفع الندم.
ولهذا كان السلف الصالح أشد الناس محاسبة لأنفسهم، ومن أجلِّ ما روي في ذلك قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ». رواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس.

