القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكمة

العمر رأس مالك فلا تُضيّعه
27 يوليو, 2026
العمر رأس مالك فلا تُضيّعه
27 يوليو, 2026

القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكمة

عبد الودود الندوي

“اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ” [الحج:75–76].
البلاغة: اشتملت الآيتان على نوعين من أنواع المحسنات البلاغية.
أولهما: الإيجاز في “ومن الناس” إذ حذف ما يفهم من السياق أي ويصطفي من الناس رسلا.
وثانيهما: الطباق في “ما بين أيديهم وما خلفهم” يعلم الله تعالى ما تقدم من أمورهم وما هم منها يقدمون. فهو عليم بماضيهم ومستقبلهم.
تفسير الآيتين: تدل الآية الكريمة الأولى على أنه لا يملك الاختيار المطلق سوى الله تعالى في اختيار الرسل من الملائكة لتبليغ وحيه إلى الأنبياء، وفي اختيار الرسل من الناس لإبلاغ رسالته إليهم. كما أن له الاختيار المطلق في خلق الخلق، وإيجاد الأشياء حسبما يشاء، وفي هبته للناس ذكرا أو أنثى، أو جعلِه من يشاء منهم عقيما فقال تعالى: “لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ” [الشورى: 49–50] فإنه قد صرّح الله تعالى باختصاصه بهذا الاختيار المطلق في باب إرسال الرسل قائلا: “اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه” [الأنعام: 124]، ومن له مثلُ هذا الاختيار المطلق لا يسأل عما يفعل.
ثم ذكر بعد إثباته له الاختيار المطلق “إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ” أي يسمع ما يقولون في الله ورسوله من خير أو شر، قال تعالى “مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد” [ق: 18]، ويرى ما يفعلون سرّا وعلانية فلا تخفى عليه منهم خافية.
ثم أتبع ما بيّنه في الآية من الدلالات الواضحة على صفاته الإلهية بقوله “يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ” أي يعلم علما تاما بما قدموه من أعمالهم وأحوالهم وما صدر منهم في الزمن الماضي، وما يقدمونه منها في المستقبل، كما بين في موضع آخر “عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ” [الأنعام: 73].
وختم الله الآية بقوله: “وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ” فهو الذي خلق الخلق، ومنحهم القدرة على القيام بأمورهم، فلا ترجع الأمور إلا إليه، ولا يحاسبهم عليها إلا هو، فهو المرجع الحق.
قال فخر الدين الرازي: “قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} إشارة إلى العلم التام وقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ} إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية.