العمر رأس مالك فلا تُضيّعه
27 يوليو, 2026ضعف الطالب والمطلوب
عبد الودود الندوي
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز” [الحج: 73–74].
حل اللغات: الذباب: اسم جنس، يقع على المذكر والمؤنث، واحده: ذبابة. والجمع القليل أذبّة. والكثير ذبّان ؛ على مثل غراب وأغربة وغِربان ؛ وسمي به لكثرة حركته.
يستنقذوه: (النَّقْذُ: التَّخْلِيصُ والتَّنْجيَةُ، كالإِنْقاذِ والتَّنْقِيذِ والاسْتِنْقَاذِ والتَّنَقُّذِ)، وفي الصحاح: أَنْقَذَه مِن فلانٍ، واستَنْقَذه منه، وتَنَقَّذَه، بمعنًى، أَي نَجَّاه وخَلَّصَه.
قدروا: قال ابن فارس في المقاييس: القاف والدال والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على مَبْلَغ الشَّيء وكُنهه ونهايته. فالقدر: مبلغُ كلِّ شيء. يقال: قَدْرُه كذا، أي مبلغُه. وكذلك القَدَر. وقَدَرتُ الشّيءَ أَقْدِرُه وأَقْدُرُه من التقدير، وقدَّرته أُقَدِّره. والقَدْر: قضاء الله تعالى الأشياءَ على مبالغها ونهاياتها التي أرادَها لها، وهو القَدَرُ أيضاً. {ومَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. قال المفسرون: ما عظَّموا اللهَ حقَّ عظمته.
البلاغة: التمثيل الرائع: [ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ] أي مثل الكفار في عبادتهم لغير الله، كمثل الأصنام التي لا تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة. قاله الصابوني.
تفسير الآية: مما لا شك فيه أن هذه الآيات أكبر قامعة لأصل الشرك وأساسه من المجتمعات البشرية، وأكبر قاطع لموارده من قلوب العباد، فمن يتلوها بقلب صاف واع تستأصل جذور الشرك من قلبه، وتؤصل فيه جذور الإيمان بالله وتوحيده. لذا لم يقل الله تعالى “اسمعوا” لأن السماع لاينتفع سامعه منه، بل خاطب الناسَ بقوله “استمعوا” قال الرازي: أي تدبره حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع وإنما ينفع التدبر.
ونجد أن الله تعالى لم يبين قبح الشرك وبطلانه بعبارةٍ مجرّدةٍ بل ضرب لتأصيل التوحيد في قلوب العباد مثلا رائعا، وهذا مما نعرفه جميعا أن المثل يقرّب من القاري والتالي فهم المقصود، ويسهّل عليه تناول ما كان صعب التناول، ويُيَسّر له فهمَ ما كان بعيد الفهم. فإذا تدبر الإنسان في هذا المثل الرائع حق التدبر لوجد أن ما يعبده من دون الله لا يقدر على استنقاذ ما يختطفه الذباب منه فضلا عن أن يخلقه وهو أضعف الحيوان وأحقره. وسأل نفسه لماذا اتخذ هذا الخلق العاجز المهين الضعيف إلها له؟ فسوّاهما الله تعالى في الضعف والعجز. فضعف الطالب الذي يَعبُد والمطلوب الذي يُعبَد. وبين الله سبحانه سبب الشرك الذي تورط فيه هؤلاء المشركون أنهم لم يعظّموا الله حق تعظيمه حيث جعلوا الأصنام شركاء لذي القوة والعزة. وهو قادر لا يعجزه شيئ وغالب لا يُغلب.
يقول الشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي: إن الله تعالى ختم سورة الحج بهذه الآيات خاتمة بديعة مؤثرة ليتبيّن ما بين الحج ومقاصده ومناسكه وروحه وبين إبراهيم عليه السلام من صلة وثيقة. وكذا ما بين خليل الله وبين هذه العبادة المباركة من ارتباط عميق. وختم السورة بها بيانا لجوهر دين إبراهيم عليه السلام وحقيقة دعوته، وهي الدعوة إلى التوحيد الخالص.

