جيل زد وأزمة الثقة في المؤسسات الهندية

في مستهل العام الدراسي الجديد في دار العلوم لندوة العلماء
17 يونيو, 2026
الزعيم السياسي “سانجاي سنغ” يهاجم الحزب الحاكم ويثير تساؤلات حول سرقة تبرعات معبد “راما” بأيودهيا
6 يوليو, 2026
في مستهل العام الدراسي الجديد في دار العلوم لندوة العلماء
17 يونيو, 2026
الزعيم السياسي “سانجاي سنغ” يهاجم الحزب الحاكم ويثير تساؤلات حول سرقة تبرعات معبد “راما” بأيودهيا
6 يوليو, 2026

جيل زد وأزمة الثقة في المؤسسات الهندية

الدكتور محمد سعود الأعظمي الندوي
أظهرت ثلاثة تقارير ومقالات نشرتها صحيفتا “تايمز أوف إنديا” و”إنديان إكسبريس” خلال الأيام الأخيرة صورة لافتة عن العلاقة المتوترة بين جيل الشباب الهندي والمؤسسات العامة، ولا سيما في قطاع التعليم. فبينما دعا السياسي والكاتب الهندي شاشي ثارور الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي والمؤسسي بدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج الرقمي، كشفت تحقيقات صحفية عن أزمة متفاقمة في منظومة الامتحانات، وعن دور بارز لشباب من جيل زد في فضح أوجه القصور والثغرات داخل هذه المنظومة.
ففي مقال رأي نشرته صحيفة “تايمز أوف إنديا”، دعا شاشي ثارور أبناء جيل زد إلى عدم الاستسلام للإحباط الناتج عن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتكرار الأزمات التعليمية. ورأى أن موجة السخط المتزايدة بين الشباب تعكس أزمة ثقة حقيقية بالمؤسسات، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى عزوف عن المشاركة العامة. فالتغيير، بحسب ثارور، لا يتحقق من خلال حملات الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، بل عبر الانخراط في المؤسسات الديمقراطية وممارسة الضغط السياسي والقانوني من أجل الإصلاح.
وأكد ثارور أن الديمقراطية الهندية، رغم ما تعانيه من مشكلات، ما تزال توفر أدوات للتأثير والتغيير، مثل حق الحصول على المعلومات، واللجوء إلى القضاء، والتواصل مع ممثلي الشعب، والانخراط في المنظمات المدنية والطلابية. وخلص إلى أن الشباب يمتلكون من العدد والمعرفة والقدرة التقنية ما يؤهلهم لأداء دور رئيسي في رسم مستقبل البلاد، شرط أن يحولوا مشاعر الغضب والإحباط إلى عمل منظم ومستدام.
وتأتي هذه الدعوة في وقت كشفت فيه صحيفة إنديان إكسبريس عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في ظاهرة تسريب الامتحانات العامة. ففي تحقيق استقصائي موسع، أوضحت الصحيفة أن الهند شهدت خلال الفترة الممتدة من عام 2002 إلى عام 2025 ما لا يقل عن 45 حالة تسريب كبرى لامتحانات عامة شارك فيها أكثر من مئة ألف متقدم في كل حالة. وعلى الرغم من ضخامة هذه الوقائع وتأثيرها على مستقبل ملايين الطلاب، فإنها لم تسفر إلا عن حالتي إدانة قضائية فقط.
وأشار التحقيق إلى أن أكثر من 1650 شخصاً أوقفوا في قضايا مرتبطة بتسريب الامتحانات، بينما وُجهت اتهامات رسمية إلى مئات آخرين، إلا أن أغلب القضايا ما زالت تراوح مكانها داخل أروقة المحاكم. ويعكس ذلك، بحسب التحقيق، ضعفاً واضحاً في المساءلة القانونية والإدارية، الأمر الذي سمح لشبكات التلاعب والتسريب بالاستمرار والتطور على مدى سنوات.
ولا تقتصر الأزمة على التسريبات وحدها، بل تمتد إلى الجوانب التقنية والإدارية لمنظومة الامتحانات. فقد نشرت تايمز أوف إنديا تقريراً خاصاً عن مجموعة من المراهقين الهنود الذين نجحوا في كشف ثغرات وأخطاء في أنظمة الامتحانات الوطنية، وعلى رأسها امتحانات المجلس المركزي للتعليم الثانوي (CBSE) والوكالة الوطنية للاختبارات (NTA).
ومن أبرز هؤلاء الطالب فيدانت سريفاستافا، الذي اكتشف وجود خلل في نظام التصحيح الإلكتروني أدى إلى نشر بياناته الامتحانية بصورة غير صحيحة. وبعد إثارة القضية اضطرت الجهات المعنية إلى إعادة تقييم أوراقه، الأمر الذي استفاد منه آلاف الطلاب الآخرين. كما كشف الطالب سارثاك سيدهانت تناقضات في بعض إجراءات التعاقد الخاصة بأنظمة التقييم الإلكتروني، بينما تمكنت الباحثة الشابة في الأمن السيبراني نيسارغا أديكاري من رصد ثغرات أمنية في بوابات الامتحانات الإلكترونية، وأبلغت الجهات المختصة بها قبل نشر نتائج تحقيقاتها.
وتكشف هذه الوقائع مجتمعة عن مفارقة لافتة؛ فالشباب الذين يشعرون بالإحباط من أداء المؤسسات هم أنفسهم الذين يساهمون في كشف أخطائها والدفاع عن الشفافية داخلها. فبدلاً من أن يكونوا مجرد ضحايا لأزمات التعليم والبطالة، تحول بعضهم إلى فاعلين أساسيين في عملية الرقابة والمساءلة، مستخدمين مهاراتهم التقنية وقدراتهم البحثية للكشف عن أوجه الخلل التي قد تغيب عن المؤسسات الرسمية.
ومن هنا تبدو دعوة شاشي ثارور ذات دلالة خاصة؛ إذ أن الأمثلة التي عرضتها الصحف الهندية تؤكد أن التغيير لا يأتي فقط من الاحتجاج أو النقد، بل من المشاركة الفاعلة في إصلاح المؤسسات ومراقبة أدائها. كما تبرز أهمية تمكين الشباب وإشراكهم في عمليات صنع القرار والتطوير المؤسسي، خصوصاً في المجالات التي تمس مستقبلهم بصورة مباشرة.
وفي المحصلة، تعكس هذه التقارير صورة مركبة للهند المعاصرة: مؤسسات تواجه تحديات حقيقية في الشفافية والكفاءة، وشباب يزدادون وعياً وقدرة على المساءلة والمراقبة. وبين الطرفين تتشكل معركة جديدة عنوانها استعادة الثقة في النظام العام، وهي معركة لن تُحسم إلا من خلال إصلاحات جدية، ومشاركة شبابية واعية، وإرادة سياسية تضع مصلحة الأجيال القادمة فوق الحسابات الضيقة.