فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي في جزيرة ري يونين
30 ديسمبر, 2025ابن بطوطة نموذجًا (1)
فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ حسن الأمراني
[ هذه محاضرة علمية وأدبية قيمة قدمها فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ حسن الأمراني رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية أمام طلبة دار العلوم لندوة العلماء عبر برنامج زوم من مقره في مدينة وجدة بالمملكة المغربية، تنشرها صحيفة الرائد لتعم الفائدة ].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلى أزكى صلاة وأسلم أطيب تسليم على سيدنا محمد سيد المرسلين.
حضرة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي، الرئيس العام لندوة العلماء
السادة الفضلاء أساتذة وطلاب دار العلوم لندوة العلماء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لما شرفتموني بالدعوة إلى إلقاء هذه المحاضرة، فكرت في موضوع تكون خيوطه واصلة ما بين الهند والمغرب، فرأيت أن رحلة العالم المغربي ابن بطوطة، المسماة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” قد تعين على المراد.
ولئن كان وقع اختياري على الرحالة ابن بطوطة اللواتي، فلأنه جعل للهند في رحلته نصيبا وافرا، وعرّفنا بأمور ما كنا لنعرفها حق المعرفة لولا ما ذكره لنا عنها، وقد عاش في عهد سلاطين بني مرين، زمن انتشار أدب الرحلات.
بل إن العصر الذي عاش فيه كان عصر الرحلات في المغرب والأندلس، بل وفي أوروبا أيضا. ففيه عاش أكبر رحالة أوربي، وهو ماركو بولو، ابن البندقية.
ولقد ألف المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي كتابا عن (تاريخ الأدب الجغرافي العربي)، وهو كتاب فريد من نوعه، وما يزال له قيمته العلمية حتى اليوم. وهو يخصص لابن بطوطة الفصل الخامس عشر من كتابه، ويسميه “أسفار ابن بطوطة”، ويقول: “أما نمط الرحلات فقد استمر حافلا ومزدهرا حتى النهاية، وليس هذا فحسب، بل إن مما يسترعي الانتباه حقا هو أن آخر رحالة كبير انتظم محيط رحلاته العالم الإسلامي بأجمعه إنما ينتمي إلى القرن الرابع عشر أيضا.
ذلكم هو ابن بطوطة المشهور، وهو نفس ذلك الرحالة الذي كانت أسفاره تطالع بالمدارس الثانوية بالبلاد العربية إلى عهد قريب، والذي يردّ المثقفون العرب حين التساؤل عنه بابتسامة لا تخلو من بعض الاستخفاف، وهو نفس ذلك الرحالة الذي لا يستغنى عن الرجوع إليه أي باحث يود الخوض في تاريخ الأوردو الذهبي وآسيا الوسطى، والذي رغما من هذا تقف رواياته عن الصين والهند في مستوى واحد مع “أسفار السندباد”، و”عجائب الهند”. ويتابع قائلا: “ومهما اختلفت الآراء فيه فإن من المستحيل إنكارَ أنه كان آخرَ جغرافي عالمي من الناحية العلمية، أي أنه لم يكن نقالةً اعتمد على كتب الغير، بل كان رحالة انتظم محيطُ أسفاره عددا كبيرا من الأقطار. وقد جاوز تجواله مقدار مائة وخمسة وسبعين ألف ميل، فهو بهذا يعدّ منافسا خطيرا لمعاصره الأكبر منه سنّا ماركو بولو البندقي”. ويضيف مقارنا بين الرحالتين قائلا: “ولعل المقارنة بين الاثنين قد بولغ فيها أحيانا، ولو أنها لا تخلو من الطرافة في بعض جوانبها، فالصياغة الأدبية لكلا الرجلين مثلا لا ترجع إلى صاحب الرسالة نفسه، بل إلى شخص آخر، كما أن كلا المصنفين يكمل أحدهما الآخر بالنسبة لمعلوماتنا عن آسيا، فالرحالة البندقي عرف الشرق الأقصى خيرا مما عرفه المغربي، وفي مقابل هذا فمن الطبيعي أن نجد أن هذا الأخير كان له إحساس ذاتي بظروف حضارة العالم الذي يصفه أكثر مما كان لدى البندقي. ومما يقرب بين الاثنين أنهما لا ينتميان في المحيط الجغرافي إلى الجغرافيين العلماء ولو أنه يجب الاعتراف بأن وصف المواطن المسلم لخط سير رحلته أدعى إلى الثقة مما عليه الحال مع معصاره المسيحي. غير أن هذا لا يجب أن ينسينا شطحاته، فمما لا شك فيه أن وصفه “لأرض الظلمات” الواقعة خلف أراضي بلغار الفلجا إنما يرجع فيه إلى فكرة غير موثوق بها، أو إلى مصدر أدبي أساء فهم روايته، كما أن وصفه لبلاد طوالسي الواقعة في مكان ما من كوشين صين Cochin – China يضمّ أساطير سمعها عن بلاد أخرى حتى اختلط الوصف لديه اختلاطا كليا. إلا أنه كلما تعرضت الأجزاء المختلفة من وصف رحلته لدراسة دقيقة مفصلة زادت الثقة في صدق روايته يوما عن آخر” (1).
هذا ويورد اسمه ونسبه فيقول: “واسمه الكامل هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي. وتشير نسبته الأخيرة إلى علاقته بطنجة، التي رأى النور فيها لأول مرة في يوم 24 فبراير703 ه، 1304م، أما النسبة السابقة لها فتشير إلى أصله من قبيلة لواتة البربرية (إيلواتن بلغة البربر) التي انتشرت بطونها على طول ساحل إفريقيا حتى مصر”.(2)
وما أوردنا هذه الإشارة هنا إلا من أجل تصحيح وهم قع فيه هذا المستشرق الكبير، كما وقع فيه غيره، وهو قوله إن قبيلة لواتة قبيلة بربرية. والحال أنها قبيلة عربية، كما نصت على ذلك معاجم أنساب العرب. وذكر عبد الهادي التازي نسبها فقال: “ومعلوم أن (لواتة) قبيلة واسعة الانتشار في مصر، يؤكد المقريزي أنها عربية”(3).
وصف ابن بطوطة في رحلته مشاهداته العجيبة التي رآها بالهند وشرق آسيا، مما أثار دهشته أولا، إذ كان يصف ما يصف عن خبرة ومشاهدة، أو رواية عن بعض سكان تلك الأقطار، فيما يتعلق بالأحداث التي لم يدركها، وحصلت قبله بزمن طويل. وكان من الطبيعي أن تثير دهشة كثير من المهتمين بأخبار تلك البلاد قديما وحديثا.
وإن كان بعض ما ذكره ابن بطوطة صار مألوفا عندنا، بحكم الاكتشافات المعاصرة، فإن بعضه ما زال يثير دهشتنا واستغرابنا، ولذلك ينبغي أن ننظر إلى تلك المشاهدات والتعليقات بما يناسب عصره. وعندما نقارن بعض مشاهداته بما دوّنه بعض الرحالة ممن قبله أو بعده، يتبين لنا مصداقية أكثر ما يقول.
خرج ابن بطوطة من بلدته طنجة قاصدا حج بيت الله الحرام، وزيارة المسجد النبوي، وكذلك كان قصدُ معاصريه من الرحالة. إلا أنه واصل طريقه على غير ما كان يخطط، وتابع رحلته شرقا حتى وصل الهند، فخلف لنا هذه الرحلة التي سماها وأحسن اختيار اسمها: «تحفة النظار، في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار”.
وقد ولد ابن بطوطة عام 703 هــ على عهد دولة المرينيين التي كان من أشهر سلاطينها أبو عنان فارس المريني، وقد ارتبط به اسم ابن بطوطة، حتى إن ابن بطوطة إذا تحدث عن الدرهم الفارسي فإنه لا يقصد به أهل فارس، بل يقصد نسبته إلى أبي عنان فارس المريني هذا.
وقد ذكر ابن خلدون ابن بطوطة في مقدمته فقال: “ورأيت في بعض التواريخ أنّ المحمول إلى بيت المال في أيامه سبعة آلاف قنطار وخمسمائة ألف قنطار في كل سنة.
فاعتبر ذلك في نسب الدول بعضها من بعض، ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات. فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السابقة بادر بالإنكار، وليس ذلك من الصواب، فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها (…) واعتبر ذلك بما نقصه عليك ن هذه الحكاية المستظرفة، وذلك أنه ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان، من ملوك بني مرين، رجل من مشيخة طنجة، يعرف بابن بطوطة، وكان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق، وتقلب في بلاد العراق، واليمن، والهند، ودخل مدينة دهلي، حاضرة ملك الهند، واتصل بملكها لذلك العهد، وهو السلطان محمد شاه، وكان له منه مكان، واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله، ثم انقلب إلى المغرب، واتصل بالسلطان أبي عنان. وكان يحدّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند، ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون (…) فتناجى الناس بتكذيبه، ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردان البعيد الصيت، ففاوضته في هذا الشأن، وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل، لما استفاض في الناس من تكذيبه. فقال لي الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن، وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيه ابنه في ذلك الحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحم الذي كان يتغذى به، فقال له أبوه: هذا لحم الغنم، فقال: وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها، فيقول: يا أبت، تراها مثل الفأر؟ فينكر عليه ويقول: وأين الغنم من الفأر؟ وكذا في لحم الإبل والبقر، إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر، فيحسبها كلها من جنس الفأر. وهذا كثيرا ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عن قصد الإغراب ” (4).
وقد جاء ابن خلدون بهذه القصة على طولها، وذلك دفاعا عن صدق ابن بطوطة، رغم ما يشيعه بعضهم من خصومة بين الرجلين، وحسد من ابن خلدون له، والقصة رد كاشف على تلك المطاعن.
وكان ابن بطوطة حريصا على تدوين رحلته، إلا أن كثيرا مما دوّنه ضاع منه بسبب الأحداث المختلفة، لا بسبب تقصير منه في التدوين، ومن تلك الأسباب قوله: “وكنت قيدت من ذلك كثيرا، وضاع مني في جملة ما ضاع لي لما سلبني كفّار الهند في البحر”(5)
ولذلك لما أن رجع إلى المغرب، وبلغت رحلته السلطان المريني، أمر بتدوين هذه الرحلة العجيبة، فتولى ابن بطوطة روايتها، وتولى تدوينها، بأمر من السلطان أبي عنان، رجل آخر اسمه ابن جزيّ(6)، أبو عبد الله بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن، المولود بغرناطة سنة 721هــ. وقد اضطر ابن جزي هذا إلى الهجرة من الأندلس إلى المغرب لأسباب سياسية(7). فكانت النسخة التي دونها ابن جزي هي النسخة المعتمدة التي حفظها لنا التاريخ، وحفظ عنها.
تحقيق اسم ابن بطوطة:
بدأ ابن بطوطة رحلته بالتعريف بنفسه، وبزمن خروجه من بلده، وبالغرض من رحلته، فقال: «كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثامن من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمداً حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عيله أفضل الصلاة والسلام، منفردا عن رفيق آنس بصحبته، وركب أكون في جملته، لباعث في النفس شديد العزايم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازيم، فجزمت أمري ولم أبن على السكون، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون، وكان والدايَ بقيد الحياة، فتحمّلتُ لبعدهما وصباً، ولقيتكما لقيا نَصَبا، وسنّي يومئذ ثنتان وعشرون سنة”(8).
فالأمر الأول المثير للانتباه في هذه المقدمة هو أنه يعرفنا بنفسه ونسبه. فهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن بطوطة الطنجي، وطنجة مدينة عظيمة معروفة في أقصى غرب المغرب على المحيط الأطلسي، وهي تطل على أوربا، بها مغارة شهيرة تدعى مغارة هرقل، وقد حيكت حولها أساطير. وأما لواتة التي ينسب إليها، فقد سلف الذكر أنها قبيلة عربية.
ثم هو قد نسب إلى أمه، بطوطة، على عادة بعض العرب منذ الجاهلية، وفي الحقب التالية، ومن أشهر من نسب إلى أمه الملك عمرو بن هند. والشاعر عمرو بن الإطنابة، ومنهم الصحابي شرحبيل بن حسنة، وهي أمه. ومنهم المؤرخ والعلامة الشهير أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي، وحبيب هي أمه، وهو صاحب كتاب: “أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام”، وكتاب: “كنى الشعراء”. فلا داعي للاستغراب إذن من هذا الاختيار في النسب، ولا فائدة لنا الآن من البحث عن سببه.(يتبع)
الهوامش:
1. (وبالمناسبة، فعندما سافرت من باريس إلى الهند عام 1985، كان بعض المسافرين الأوربيين يحملون بين أيدهم كتاب ألف ليلة وليلة، متوقعين العثور على بساط الريح ومصباح علاء الدين في الهند)
2. المرجع المذكور: ص. 427 وهنا لا بد من التنبيه على خطأ وقع فيه كراتشكوفسكي، كما وقع فيه غيره، وهو قوله إن قبيلة لواتة قبيلة بربرية. والحال أنها قبيلة عربية، كما نصت على ذلك معاجم أنساب العرب. وذكر عبد الهادي التازي نسبها فقال: “ومعلوم أن (لواتة) قبيلة واسعة الانتشار في مصر، يؤكد المقريزي أنها عربية”. 1/80، ويشير إلى كتاب المقريزي: “البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب”.
3. التازي: 1/80، ويشير إلى كتاب المقريزي: “البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب”.
4. مقدمة ابن خلدون، علي عبد الواحد وافي، ص.552
5. الرحلة، ص. 26.
6. وهو غير ابن جزي الكلبي الغرناطي، صاحب “القوانين الفقهية”، المولود بغرناطة سنة 693هــ والمتوفى سنة 741هـــ.
7. تنظر التفاصيل في مقدمة المحقق: 1/73
8. رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق الدكتور عبد الهادي التازي، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 1417هــ ــ 1997م. 1/153

