الحج إعلان للتوحيد الخالص ورمز للحب والفداء
17 يونيو, 2026ترامب والحرب الخاسرة…
17 يونيو, 2026سيدنا إبراهيم عليه السلام رمز التضحية والاستسلام الكامل
د. غياث الإسلام الصديقي الندوي
جاء شهر ذي الحجه، شهر تجديد ذكريات التضحيات التي قدّمها سيدنا ابراهيم خليل الله عليه السلام وعائلته الكريمه. وممّا لايختلف فيه اثنان أن شخصيته على ذروة المجد والكرامة، وخالدة ذكراها إلى الأبد مادامت السموات والأرض، ومحببة لدى كل مؤمن وذي عقل سليم. وتخلّدت تضحياته العظيمة وتمثلت في مناسك الحج والعمرة وعيد الأضحى.
حصلت هذه العظمة والمجد لشخصيته عليه السلام لأنه امتثل لأوامر الله طوال حياته: “إِذ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥ أَسلِمۖ قَالَ أَسلَمتُ لِرَبِّ العَلَمِينَ” فحياته عبارة عن الجهود الدعوية والتضحيات المثالية والاستسلام الكامل أمام رضا الله. إنه دعا أباه وقومه إلى الله سبحانه، ولم يأل جهداً في ذلك، ولكنهم رفضوه وحاولوا أن يحرّقوه فقال سبحانه: “قُلنَا يَنَارُ كُونِي بَردا وَسَلَمًا عَلَى إِبرَهِيمَ” ولم تحرّقه النار وذهبت حرارتها.
وإذا تمت الحجة على قومه، ولم يؤمن بعد مشاهدة قدرة الخالق البارئ سبحانه، هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام من وطنه واستوطن كنعان، ثم إذا وُلد ابنه إسماعيل عليه السلام، أسكن زوجته وابنه هذا في وادٍ غير ذي ذرعٍ ابتغاء لوجه الله تعالى، ولم تنته تضحياته إلى هذا الحد بل إذا بلغ ابنه سن السعي ورآه في رؤيته أنه يذبحه، استعد هو وابنه للاستسلام أمام أمره سبحانه وحكى القرآن ذلك: “فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ”، “وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ”، “قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
ولم يكن ذلك تضحية الرغبات والشهوات، ولا تضحية المال والمنصب، ولا تضحية العواطف والمشاعر، ولا تضحية النفس والأراضي بل كان أشدّ من كلّ ذلك، وأية تضحية أشدّ من ذبح ابن وحيد بيد والد قد تجاوز عمره التسعين؟ ألا أسهل من ذلك أن يضع الإنسان سكّيناً على رقبته ويودي بحياته؟
ولم يكن من المقدر أن يذبح الأب ابنه، إنما كان ابتلاء فقط، وفي نهايته فداه الله سبحانه بذبح عظيم، وبشّره بابن آخر “وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ” وجعل سيدنا إبراهيم جدّ الأنبياء والرسل عليهم السلام، وجدّ خاتم النبيين وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم.
جعل الله تضحياته سنناً تجري إلى يوم القيامة في صورة الحج والعمرة وعيد الأضحى الذي يأتي كل عام لتجديد ذكريات تضحياته، فالسعي بين الصفا والمروة، وماء زمزم، والنحر في العاشر من ذي الحجة، ورمي الجمرات، والإقامة في مِنى، وما إلى ذلك من مناسك الحج والعمرة، كلّها من ذكريات التضحيات التي قدّمها إبراهيم عليه السلام وعائلته الكريمة.
فصار مثالاً رائعاً للاستسلام الكامل أمام أوامر الخالق البارئ، ورمز التضحية والتفاني في سبيله، ونموذجاً مثالياً في دعوة الخلق إليه. وتستلهم نفس المؤمن وشعوره ووجدانه من تضحياته العظيمة وسيرته النيرة في القيام بأوامر الله وتمثيل شريعته تمثيلاً صادقاً، ويقتضي العقل والدين أن يسلك المؤمن مسلكه، وينتهج منهجه، ويتبع هداه لكي يبقى على درب السعادة والسماحة. “وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ”.
* * *

