كن بصيرا في زمن الفتن
25 مايو, 2026رسالة عيد الأضحى
17 يونيو, 2026كيف تكتب؟
محمد خالد الباندوي الندوي
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن كثيرا من الطلبة – أيها الأخ – يدركون مكانة الكتابة، ويعرفون ما تحمله من المكانة السامية في الحياة، ولا ريب أن الكتابة لها تأثير بالغ في العلم والأدب، إذ هي وسيلة فعالة للتعبير عن الأفكار والعواطف، وحفظ خلاصة العقول، وقد ظلت تنقل التجارب العلمية والفكرية إلى الأجيال، ولا تزال تؤدي دورا كبيرًا، وبفضلها تقدمت العلوم والآداب، وازدهرت الثقافات وتوسعت الحضارات، وعرفت البشرية تاريخها عبر العصور.
ولعلك – أيها الأخ – تعرف حقيقة الكتابة ومكانة القلم، وربما تشتاق إلى تعلم طرائق الكتابة، وتجد في نفسك دافعا قويا لامتلاك ناصية البيان، والقدرة على التعبير، وقد حاولت أحيانا أن تكتب رأيا رأيته، أو تسجل خاطرة خطرت لك، أو فكرة أعجبتك، ولكن خذلك القلم، وخانتك الكتابة، أو تشابهت عليك مسالك الكتابة فأبعدتك عن الهدف، أو تشعبت عليك الفكرة فانفلتت من ذهنك، فكأني بك تسأل: أي طريق نسلكه إلى حصول ملكة الكتابة؟ وما هو المنهج الأفضل المعروف عند أصحابها؟ تعال نذكر لك بعض الإرشادات المهمة في هذا المجال التي قيدها لنا أصحاب الأقلام وهي زاد الطالب الحقيقي:
أولا: أن توسع آفاقك بالقراءة الواعية، فاقرأ–ما تيسر لك –الجيد الممتع من كل علم وفن، واقتبس من مطالعة الكتب ما يعجبك من الأفكار والآثار، وقيّد ما تستحسنه من مفردات الكلمات وطرق التعيبر القوية حتى تجتمع عندك الثروة الغنية التي تساعدك في الكتابة، فاقرأ القرآن الكريم والسنة والتاريخ وسير الأعلام من القادة والدعاة والمصلحين وأحوال المجتمعات وأخبار الأمم،ولا تقتصر في علم دون علم أو موضوع دون موضوع، فإن الفكر يضعف إذاعاش على لون واحد من المعرفة، وكن في هذا الباب كالنحلة التي تجلس على كل زهرة مختلفة ألوانها، وتمتص طيبها وتترك فاسدها، وتحفظ ذلك بطريقة أوحى إليها فاطر الكون.
ثانيا: اقطع من أوقاتك وقتا محددا تنقطع فيه إلى التدرب على الكتابة، وعود نفسك على المواظبة عليها، فإن المواظبة لها دور أساسي في تنمية المهارات الكتابية، وهي التي تهذب الفكر وتفتح مغاليق البيان، وتوسع الآفاق، وإن الممارسة تحول المعاني المبعثرة إلى بيان متماسك، وتستجمع المواهب المتناثرة، وتقوي الملكة الكتابية، فخذ القلم بعزم، واصبر على مشقة البدايات، فإن البيان لا يُوهب في يوم، وإنما يُنال بالإكثار من القراءة، وطول الملازمة، والمِران والدربة ومن صدق في الطلب بلّغه الله مراتب الإتقان.
.ثالثا: ابدأ الكتابة بجمل قصيرة واضحة، لا تكثر فيها من التعقيد والتكلف،واستخدم ما اجتمعت عندك من الثروة اللغوية، وخذ من المفردات ما يكون واضحا في المعنى معروفا عند العامة، فإن وضوح المعنى روح الكتابة، وأقرب الأساليب إلى القلوب ما كان سهلا عذبا بعيدا عن الغموض والتصنع، ولا تحمل نفسك في بداية الطريق ما لا تطيق من زخرفة العبارات وتتبع المحسنات، فإن البيان القوي لا يقوم على كثرة الزينة اللفظية، وإنما يقوم على صحة العبارة، وصدق الفكرة وحسن ترتيبها وصفاء التعبير عنها.
رابعا: اجعل لنفسك قدوة من أصحاب الأقلام المؤثرة،فأنعم النظر في أساليب البلغاء والكتاب الموفقين، وتأمل كيف يعرضون الأفكار؟ وكيف يتصرفون بين المعاني؟ وكيف يعبرون عما يختلج في صدورهم، فإن مصاحبة الأساليب المؤثرة تنمي الذوق وتربي الفكر، وتغرس في النفس ملكة البيان شيئا فشيئا.
فهذه – أيها الأخ الكريم – بعض الوصايا التي تعينك في درب الكتابة، وتذكر –دائما– أن الكتابة رحلة طويلة تحتاج إلى صبر ومصابرة، وصدق وإخلاص، وقراءة وتأمل، فمن لازم بابها فُتح له، ومن أكثر قرع الباب أوشك أن يؤذن له بالدخول.

